صفاء خلف
هكذا يبدأ الفيلم، هان فان ميگيرين، الفنان التشكيلي الهولندي، واشهر مزوّر لوحات في التاريخ الحديث، يخطو بصعوبة على سلم محتشد بمتذوقي فنون عصر الانوار، قابضاً على سكين، ويمزق لوحة طبق الاصل لـ(عشاء عاموس) لمواطنه الرسام يوهانس فيرمير.
انها لقطة متخيلة من الرغبة الحقيقة لميگيرين. فيما الحقيقة التي ستتضح فيما بعد انه حافظ على اللوحة وقبض عنها مبلغاً هائلاً بعد ان سرق زوجة اهم النقاد حينها ابراهام بريديوس. ميگيرين من دلفت، وفيرمير منها ايضاً. كلاهما من ذات البلدة الهولندية، وكلاهما كان مأخوذاً برسم المشاهد الداخلية والبورتريهات.
ميگيرين كان موهباً كالشيطان، لكنه شكاك ويفتقر الى تلك الطمأنينة الرهيبة وسط اكوام القلق التي تجعله فناناً عظيماً. يعتقد بأن النقاد دمروا موهبته باللامبالاة لتجريبيته في الرسم. كان يرفض “شخابيط” بيكاسو، يدعوها بالشخبطة الركيكة غير المعبرة عن الجمال. كان يريد ان ينظم الى نادي رسامي عصر النهضة بلوحاتهم التوراتية الغامضة والمصنوعة بجهد روحي يخترق حدود الزمن الى المعاني المرتبكة للايمان. لكن الوقت حينها (اوائل العشرينيات) كان زمن الانقلاب على المفاهيم الجمالية النقلية، كان العالم يتجه الى مغادرة الايمان العميق الى السلعة الرائجة للغرائز البرية.
يعد ميگيرين واحداً من اكثر المزورين عبقرية عبر التاريخ. استطاع ان يسوق لوحة (عشاء عاموس) المفقودة بنسختها الاصلية، على انها اللوحة الحقيقية التي عثر عليها النازيون في فترة احتلال هولندا. استطاع ان يُقنع النقاد واصحاب المزادات ووكلاء الاعمال الخبراء، بأنها لوحة فيرمير. بيعت وعشقها هتلر. وقال عنها خصمه اللدود الناقد ومقتني الاثارات ابراهام بيريديوس:
(the masterpiece of Johannes Vermeer of Delft, and wrote of the “wonderful moment” of being “confronted with a hitherto unknown painting by a great master)
انطلت الحيلة على مجتمع حاذق من المتخصصين والنقاد والمتحققين. خدعهم جميعهم، كان يريد ان يعلن انه الفنان الاعظم، صانع اللوحات الذي يريد يصفع العالم على قفاه، ويُخلد اسمه كفنان عظيم من عصر الانوار. لكنه بدلاً من ان يُعلن – كانت تلك رغبته ورغبة ابنه الوحيد – استستلم لهيامه الخاص، عشق الغجرية (يولانكا لاكاتوس) الزوجة السابقة لابراهام بيريديوس بعد ان انفصلت عنه، وتزوجت ميگيرين. ضاع مجدداً، استثمر شيطانيته العظيمة في صناعة لوحات جديدة لفيرمير، ليكون عاشقاً فخماً ليولانكا المثيرة بقامتها الطويلة التي تسيح من الحياة الى اللوحة، كضوء سماوي ينزل من نيران الالهة.

عقب الاحتلال النازي لهولندا، اتهم ميگيرين بانه متعاون. لعلاقته مع قائد الجيش النازي الذي كان يشتري اللوحات المزورة لفيرمير ويهديها الى هتلر الشغوف. سيق ميگيرين الى المحاكمة بوصفه “خائناً”. اطلق صرخته: “قد اكون مزوّراً وسارقاً لكني لست خائناً”. كان دليل الاثبات هو دليل ادانة ايضاَ، لكنه قَبِل ان يُدان كمزورٍ وتضيع سُمعته الفنية على ان يُحاكم خائناً وتتلطخ سمعته الى الابد لتعاونه مع محتل!
ابراهام بيريديوس الذي وصف لوحة “عشاء عاموس” بأنها “اعظم تحفة فنية لسيد عظيم”، والكاره الحقود لميگيرين، استدعته المحكمة ليقرر براءة سارق يولانكا. كشف ميگيرين عن سر صناعة اللوحة. واعترف بيريديوس بانها اعظم تقنية لاعادة عبقرية عصر الانوار.
التقنية التي استخدمها ميگيرين استغرقت منه سنوات طويلة. تتخلص بصناعة خامات الالوان من مواد طبيعية يدوياً مع اضافة الطلاء البلاستيكي المكتشف تواً في اميركا، وتعريض اللوحة الى حرارة كبيرة داخل فرن، ليشرب الكانفاس المواد ويصبح الطلاء البلاستيكي اقسى، فتعطي انطباع اللوحة الاصلية التي يقدر عمرها بـ300 عام.
حوكم ميگيرين بتهمة التزوير الفني لعام مع دفع كل الاموال التي استحصلها من بيع تلك اللوحات. لكنه مات سجيناً في الشهر الاول من مدة المحكومية، بسكتة قلبية في 26 نوفمبر 1947.
معلومات الفيلم: IMDB
المخرج: Rudolf van den Berg
الممثل: Jeroen Spitzenberger بدور ميگيرين
الممثلة: Lize Feryn بدور يولانكا
الانتاج: 2016