الاغتيال والاختطاف في العراق: حقل الموت اليومي

صفاء خلف

المقال حين نُشر في تموز/ يوليو 2017 لقى انتشاراً واسعاً. وتداولته مواقع جدلية، قنطرة، النهار اللبنانية، وتُرجم الى عِدة لغات، ووصل الى القائمة القصيرة لجائزة (كورت شورك) للشجاعة الصحافية التي تمنحها رويترز تومسون 2018.

لا توجد احصائية دقيقة للاغتيالات والاختطاف في العراق. فالسلطات الرسمية لا تكترث كثيراً بأرشفة الاخبار السيئة التي تحدث يومياً، اما الصحافة فلا تعير اهمية ايضاً لمثل هذه الحوادث، وغالباً تتعامل معها اذا ما هزّ اغتيال او اختطاف الرأي العام بنقل الرواية الرسمية “اضطراراً” ومن ثم تقمص رواية “جديدة” يضعها الممول المدعوم من جهة سياسية او ميليشيا مسلحة، ويكون تسويق هذه “القصة” عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل كماكنة نشطةٍ لتسطيح أي حدث ومن ثم ابتلاعه في خضم “قصص جديدة” تشبع الرغبات الفضولية وتثير زوابع من العراك الطائفي، وصولاً الى التحريض الذي قد تكون نتيجته القتل او الاختطاف.

بازار الجريمة

ولان بلاد ما بين النهرين اللذان يجفان على مهلٍ دون اكتراثٍ ايضاً، “بازار” جريمة مفتوح، تتطور فيه مهارات القتل والتبرير وتنشيط الخلايا الدموية، فان السلطات هي ايضاً انعكاس بشع للشعبوية والطائفية التي اطاحت بالعراقيين في خرم الموت المتسع، وتفتقر للاحتراف الذي يُحتم قراءة ظواهر الارهاب والعنف الاجتماعي، ومسبباتها عبر الحصيلة الرقمية التي تنتجها تلك الاعمال، فحتى اللحظة وبعد مضي 14 عاماً من سقوط نظام عبر احتلال والاتيان بآخر “جديد” انتج خطابات ازهقت الوطنية العراقية بعد ان حولها النظام “القديم” الى جثة متحللة افرزت امراض النظام الجديد. لم تستطع الحكومات المتعاقبة ووزاراتها من وضع برنامج ارشفة رسمي يضمن اتاحة احصائيات موثوقة للرأي العام.

ولولا الحصيلة الرقمية الشهرية التي تصدرها بعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي) لاعداد الضحايا في المدن العراقية، اضافة الى موقع iraq body count الذي يحصي ويُصنف ويحدد هويات الضحايا العراقيين، لما كان من الممكن العثور على ارقام موثوقة لظاهرة العنف المباشر في العراق. وفي خطوة تدل على عدم الاكتراث والغرق بالفشل، احتجت الحكومة العراقية على نشر (يونامي) للاحصاءات الشهرية بعد ان اوردت البعثة اعداد العسكريين القتلى في عملية استعادة الموصل ضمن حصيلة ضحايا العنف لشهر كانون الاول 2016. هذه المحاولة تمثل واحدة من اعمال التضييق على نشر احصاءات موثوقة، وتشير الى العقلية المرعوبة من فضح تداعيات الفشل الامني في البلاد مع تزايد مخاطر العسكرة والسلاح تحت مسميات مختلفة.

لكن بموازاة ضحايا العنف المباشر للاعمال الارهابية والحملات العسكرية، وحملات الاغتيال والقتل المنظمة، تبرز ظاهرة موت جديدة تتمثل بحالات الانتحار المتزايدة في المدن العراقية التي تتمتع باستقرار نسبي (جنوب العراق)، لكنها تظل ايضاً ارقاماً غير موثقة رسمياً، لكن بعض التقارير المحلية والدولية تكشف ان محافظتي ذي قار (جنوب) وديالى (شمال شرق) تسجل اعلى نسب انتحار منذ اعوام.

نظام جديد برسم الاغتيال

تسرد رواية “قتلة” للروائي العراقي ضياء الخالدي لمحة مثالية عن عالم مافيات الاغتيال في العراق. ورغم ان الكاتب لم يستطع ان يُشير الى الجماعات الحقيقية التي تمارس القتل الممنهج عبر الاغتيال وعوّمت الاتهام، لكنها تظل اشارة اجتماعية يتيمة في كشف الظاهرة المتنامية، التي بدأت مع انهيار السلطة القابضة في التاسع من نيسان 2003.

في العاشر من نيسان 2003، كانت آلة قتل عشوائية تجتاح البلاد لتصفية انصار نظام صدام حسين، ريثما تحولت الى ماكنة منظمة تصطاد بعثيين ورجال امن وضباط عسكريين وطيارين وشملت مثقفين وفنانين وحتى المعارضين للنظام المُطاح به الذين انتقلوا الى خانة معارضة النظام الجديد. كانت اولى جرائم الاغتيال المدوية، قتل عبد المجيد الخوئي نجل مرجع الطائفة الشيعية الاعلى “ابو القاسم الخوئي” في بطن الصحن الحيدري. كان اغتيالاً بشعاً عبّرَ عن صورة العراق المقبل مع انفلات رغبات السيطرة على السلطة. وفي 29 آب من العام نفسه، اغتيل رئيس ما كان يُعرف بـ”المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق”، محمد باقر الحكيم بتفجير عنيف عند احد ابواب الصحن الحيدري نفسه الذي اغتيل عنده الخوئي، وفي 25 ايلول من العام نفسه ايضاً اغتيلت عضو مجلس الحكم عقيلة الهاشمي حين فتحت مجموعة مجهولة النار عليها امام منزلها في الكرخ بوصفها “علمانية سافرة”، فيما اغتيل الرئيس الدوري لمجلس الحكم عز الدين سليم في 17 ايار/مايو 2003 بانفجار ضخم عند احدى بوابات المنطقة الخضراء، وضاعت قتلته بين القبائل السياسية والمسلحة في البلاد.

كانت تلك اولى الاغتيالات السياسية. لكنها كانت بوابة الاغتيال بدوافعه المتباينة طيلة 14 عاماً. المدن الجنوبية وبغداد كانت ومازالت حقلاً نشيطاً للتصفية الجسدية والاختطاف، واية محاولة لحصر تلك العمليات ربما سيحتاج الى سنوات من البحث والتقصي التي قد تودي بحياة من يتطوع لمثل هذه المهمة القاتلة. فيما تظل الاشارة الى القتلة الحقيقيين ومشغليهم ضرباً من مجازفة دامية.

… وسيلة لقمع الاحتجاج

خلال السنوات الثمان لحكم نوري المالكي المدعوم ايرانياً، وفشله في تحقيق السقف الادنى من الخدمات والامن، وبروز ظاهرة الاحتجاج السياسي والاجتماعي في المدن العراقية المختلفة، سواء على كانت على المقسم الشيعي او السُني، فان الظاهرة المقابلة لها تمثلت باستخدام العنف المفرط بالتعامل مع تلك الاحتجاجات من قبل سلطة المالكي وترهيب الخصوم، والاقدام على اختطافهم وتصفيتهم او ملاحقتهم قانونياً، ما افرز واقعاً شبيهاً بالعنف الذي استخدمته السلطة البعثية.

في 25 شباط 2011، تظاهر مئات الاف في مدن عراقية مختلفة ولاسيما العاصمة بغداد احتجاجاً على الفشل السياسي والخدمي والامني والتفرد بالسلطة من قبل المالكي، وقمعت تلك التظاهرات التي بدأت في المحافظات الشيعية بقوة، فيما فضّت التظاهرة الابرز بساحة التحرير ببغداد بعنف مفرط، ولوحق النشطاء فيها، واعتقلوا لايام في مراكز احتجاز سرية واخرى غير رسمية، فكان اشبه بالاختطاف وممارسة تعذيب وترهيب ضدهم.

كان الضحية الابرز لتلك الحركة الاجتماعية العفوية ضد فساد السلطة، المسرحي والاعلامي هادي المهدي الذي اغتيل في منزله بالكرادة وسط بغداد في الثامن من ايلول/ سبتمبر 2011، وفي 23 ايلول 2015 اختطف المتظاهر جلال الشحماني في منطقة الوزيرية ببغداد والذي يطلق سراحه حتى اللحظة، وسط تكهنات بانه قد قتل على يد الجهة الخاطفة “المجهولة”.

غالباً ما يشار رسمياً الى الجهات الخاطفة او التي تقوم بعمليات الاغتيال بـ”المجهولة” في الروايات الرسمية الحكومية، فيما تتحاشى المنظمات الحقوقية والمدنية في بيانات الاستنكار تسمية تلك الجهات المعلومة بحكم الاتصالات التي تُجرى بين مستويات السلطة في العراق وتلك المنظمات لتسهيل اطلاق سلاح المختطفين او لمعرفة مصير الذين تتم تصفيتهم. ستار من التعمية المتعمدة تقوم بها السلطة والمنظمات ذاتها بعدم الاشارة الى الجناة، ما حفّزّ الفصائل المسلحة المنتشرة كالسرطان في المدن العراقية على القيام باعمالها الارهابية تلك بمزاج احترافي مع تفشي “الافلات من العقاب” وخنوع المجتمع المدني لفعالية الترهيب المستمرة وتواطؤ السلطة معها.

ابرزت ظاهرة اختطاف الصحفية افراح شوقي (اختطفت 27 ديسمبر 2016 واطلق سراحها بعد اسبوع)، واختطاف النشطاء المدنيين السبعة (اختطفوا من سكنهم بشارع السعدون فجرا في 8 مايو 2017 واطلق سراح بمزرعة نائية شمال بغداد) فضلا عن حالات اخرى مشابهة في محافظات جنوبية، عن سلوك جديد يشير الى ضعف السلطة وحجم التواطؤ مع الميليشيات، ففي الحالتين اعلاه كان الجهة الخاطفة مُعرّفة لدى الجهات الامنية، وبدلاً من تفعيل القانون وتجريمها واعلانها ميليشيات ارهابية، قامت السلطات بحمايتها من الملاحقة او حتى تحفيز المختطفين على رفع دعاوى قضائية ضدها لتكون اساساً لتقديم الجناة الى المحاكمة. فيما رضخ المختطفون الى تهديد الفصائل المسلحة وتوصيات الجهات الامنية بعدم الكشف عن الجهات الخاطفة حفظاً لحياتهم ولعدم تعكير الجو العام في البلاد ازاء مشاركة هذه الميليشيات بالحرب على الارهاب. ولأول مرة تتقدم السلطات والمختطفين بـ”الشكر” للخاطفين على “هبة الابقاء على حياتهم”.

ميليشيات ضد المجتمع

فوضى السلاح في العراق، فعّلت قوى مسلحة باتت اقوى من الدولة والسلطة، تمارس ارهاباً ممنهجاً لا يقل عن ارهاب ما يعرف بـ”داعش”، ان لم تكن مكملة لمسلسل الارهاب ذاته، وداعمة له عبر اضعاف الدولة، بنتيجة ان القضاء على الجماعات الارهابية الجهادية يحتم بالضرورة انتفاء الحاجة لاي سلاح غير شرعي مرتبط بالخارج على اساس محاربة الارهاب، لذا فأن هذا السلاح في حقيقته المستقبلية موجه الى الداخل العراقي والاصوات المدنية المطالبة بـ”الدولة المدنية” لا بـ”السلطة الحزبية البوليسية” واخضاع المجتمع لرؤيتها المتطرفة والشعبوية ببناء مجتمع احادي مغلق يؤمن بذات المقولات الدينية المتطرفة التي يؤمن بها “الاسلام الجهادي” وعلى اساس عنصري طائفي ومناطقي، وافراغ المدن العراقية من القوى المدنية والديمقراطية تسهيلاً لحلم الانقضاض على السلطة بالكامل.

ممارسات الخطف/ الاغتيال/ التصفية/ الملاحقة/ التحريض، هي ممارسات عنفية من طرف السلاح ومشغليه، فضلاً عن الكتبة والصحفيين المأجورين الذي يقوم بمهمة دونية بمراقبة الاصوات الحرة والنشطة، والتحريض عليهم وخلق جو عام مضاد لهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت مغناطيساً لاستقطاب الطائفيين والجيوش الالكترونية المدفوعة الثمن والمستنفرة لتسقيط أي صوت مخالف لرؤيتهم الهادمة، ما يبرر لحملة السلاح اختطافهم وتصفيتهم. بالتالي بات “الفيسبوك قاتلاً”. فخلال الاشهر الماضية كانت حفلات التحريض والتسقيط ضد من يراد استهدافه، فبعد أي حملة من تلك الحملات، يتم الاعلان عن اختطاف ناشط او كاتب او صحفي او فنان او حتى مواطن له رأي، لتظل التمنيات بان يحالفه الحظ ان كان اسماً معروفاً بان يطلق سراحه، و ان كان مغموراً فيعثر على جثته في مكبٍ للنفايات كما في حالة الفنان المسرحي كرار نوشي الذي استبق تصفيته حملة تسقيط مشينة اودت بحياته. فيما تمارس الشعبوية الاجتماعية فعلها المشين بالحماس ذاته ازاء حالات ابتزاز تتعرض لها فتيات، كم في حادثة المغدورة “نبأ الجبوري”، الصبية اليافعة التي انتشرت لها فيديوهات وصور باوضاع حميمة وخاصة، سرّبها مجهول يعتقد انه شاب كان على علاقة معها، فعملت ماكنة “الفيسبوك” على تجريم الفتاة وتناقل المواد المُسربة مع هجمة “اخلاقية” تجاه الفتاة التي لقيت حتفها قتلاً، فيما ظلّ المجرم الحقيقي طليقاً بحكم الحاكمية الذكورية التي تتسيّد المجتمع.

السلطة المخيفة

لا سلطة اعلى من سلطة الميليشيات، ولا صوت يعلو فوق صوت الطائفة، ولا موقف يُسمح به يقف بالضد من موقف حملة السلاح في العراق الجديد. ففعل الاختطاف والاغتيال هو محصلة طبيعية لدولة منهارة تجاهد ان تكون نظاماً متماسكاً في ظل التمزق السياسي والاجتماعي والتدخلات الخارجية، واختطاف القرار الامني من قبل ميليشيات وفصائل. ولعل فضيحة اختطاف الصيادين القطريين والعمال الاتراك، صورة مقربة لحجم انهيار النظام وتغوّل ارادات مسلحة عليه و”دولة عميقة” من ارث نظام رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

في ديسمبر 2015 اعلن عن اختطاف صيادين قطريين من امراء العائلة الحاكمة في قطر مع حاشيتهم في بادية السماوة (غرب العراق). لم يعلن عن الجهة الخاطفة. في 21 نيسان 2017 اطلق سراحهم جنوب بغداد (المحمودية). ولم يُعلن ايضاً عن الجهة الخاطفة. لكن السلطات والرأي العام كانا على علم دقيق بالجهة الخاطفة التي تم التستر عليها، وان اموالاً طائلة كان من المفترض ان تسلم اليها لقاء صفقة مالية بلغت 330 مليون دولار وفقاً لما كشف عنه رئيس الوزراء حيدر العبادي، لكنها صودرت من قبل الحكومة. لكن الصفقة السياسية، تمثلت بربط اختطاف صيادين في العراق دخلوا بتأشيرات رسمية مع صفقة المدن الاربعة في سوريا بين الجماعات المسلحة السورية واخرى ارهابية والسلطة القائمة في دمشق برعاية ايرانية – قطرية – روسية، وكأن العراق بات بستاناً اقليمياً لفض نزاعات خارج الحدود.

الجهة الخاطفة نفسها، اختطفت في الثاني من ايلول 2015، من ملعب كرة قدم (قرب مدينة الصدر) قيد الانشاء 18 عاملاً تركياً. وبعد مضي ثلاثة اسابيع اطلق سراحهم بمنطقة جنوب بغداد (المسيّب)، عقب مداهمة لقيادة عمليات بغداد اوكار الميليشيا في شارع فلسطين ما تسبب بصدام مسلح راح ضحيته جندي عراقي، فشكل ذلك الاشتباك ضغطاً على الجهة الخاطفة فضلا عن وساطة ايرانية فاطلق سراح العمال. لكن بالنتيجة لم تتجرأ الحكومة على كشف اسم الميليشيا ولا تقديم الجناة الى المحاكمة.

الرعب الذي تعيشه المدن المستقرة نسبياً في العراق، بسبب انتشار السلاح غير الشرعي والمرتبط بالميليشيات، يشكل عائقاً حقيقياً امام تطبيق القانون وفرض سيادة الدولة، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ورفع سقف الخدمات المتردي، فالعراق يشهد فوضى مراكز قوى ومعرقلات تنمية نتيجة ثنائية التحريض/ السلاح، اضافة الى دعايات الترهيب غير المباشرة المتمثلة بالترويج للسلاح كضامن وجودي لـ”العراقيين” ازاء الارهاب والانهيار الامني.

أضف تعليق