صفاء خلف
نشر في السفير العربي – 07 اكتوبر/ تشرين الاول 2021
أُنتج بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ/ برلين.
يسعى العراق الى تحقيق معجزة بتطعيم 20 بالمئة من سُكانه (فوق 18 عاماً) في الشهور الاربعة المتبقية من العام الجاري، وفقاً لخطة حكومية تبدو طموحة وتسري بعروقها المبالغة وعدم الواقعية بعدما كانت تأمل الوصول الى 70 بالمئة منهم. لكن البُنية الضعيفة وعدم الثقة بقطاع الصحة الوطني إثر الفشل باحتواء (Covid 19) وحرائق المستشفيات، وتفشي الفساد المرتبط بالأزمة، والتشكيك بفعالية اللقاحات، تجعل من تحقق المعجزة المنتظرة رغم ضآلة النسبة، هدفاً مستحيلاً.
فمن قراءة المصفوفة الافتراضية لعدد المُطعمين التي يحاول العراق الوصول اليها قبل نهاية 2021، نسبة الى مواطنيه البالغ عديدهم (41,190,658) مليون نسمة، ومع محدودية كمية الجرعات، وحركة التطعيم البطيئة والمتعثرة بوتيرة لقاح واحد كل 0.66/ ثانية في 750 منفذاً رسمياً بعموم البلاد، بما يساوي 9.0 جرعة لكل 100 شخص، نستنتج انه من المُمكن أن يُحصّن العراق 70 بالمئة من المُستحقين بحلول حزيران/ يونيو 2024. ما يعني إنه سيظل حقلاً مزدهراً للفاشية التنفسية وسلالتها الاكليلية المتوالدة.
التطعيم في العراق بدأ في الاسبوع التاسع من العام 2021. وفي الاسابيع الـ 12 اللاحقة ظلت مؤشرات تلقي اللقاح متذبذبة بين الارتفاع والهبوط والانكماش، ما عكس حالة اللايقين بجدوى التطعيم مع عُسر تدفق اللقاحات. لكن مع الاسبوع 22، باتت المؤشرات ترتفع على نحو مضطرد وتنافسي مع تدفق كميات اكبر من اللقاحات، بعد سلسلة حرائق في المستشفيات، وتزايد الوفيات بين الفئات الاكثر شباباً، وتنامي موجات التفشي وظهور المتغيّر (DELTA) ما عزز من الهلع الوبائي. رغم ذاك ما زالت معدلات الاقبال ضعيفة ومخيبة للتوقعات وتعاني البطء الشديد مقارنة بنسب الاصابة المتسارعة بفضل موجات التفشي غير المُسيطر عليها، فالعراق يتصدر دول المنطقة بتفاقم العدوى حيث سجل منذ (24 شباط/ فبراير 2020) وحتى (4 ايلول/ سبتمبر 2021) نحو (1,917,292) مليون اصابة، و(21,100) الف وفاة.
يخطط العراق لشراء 48 مليون جرعة لقاح، ويأمل ان يصله مع نهاية العام الجاري نحو 20 مليون جرعة. فتناقص مخزونات اللقاح مع اتساع التطعيم وتأخر وصول الشحنات المتعاقد عليها، دليل على إن الخطة الحكومية المفرطة لا تنسجم مع تنافسية سوق اللقاحات العالمي، واحتكار الدول الاكثر غنى لها بظل التوجه الى اطلاق الجرعة المعززة الثالثة، ما يُرسخ “توحش رأسمالية الوباء” مقابل تحطم القدرات الصحية للدول الفقيرة امام هجمات الجائحة المزدهرة.
أقرَّ العراق اربعة انواع من اللقاحات للسيطرة على تمدد الجائحة التنفسية، ثلاثة منها اعتمدت رسمياً ومُنحت تطعيماتها فعلياً، وهي (Pfizer/BioNTech)، (Sinopharm/Beijing)، (Oxford/AstraZeneca)، فيما ظل (Sputnik V) الروسي مُقراً دون استيراده. وحصل العراق على لقاحاته عبر الهبات السياسية من الصين والولايات المتحدة الاميركية، ثم اتجه الى التعاقدات الشرائية المباشرة مع بكين، او مع مناشئ اللقاحات عبر واشنطن ومنظمة الصحة العالمية ضمن مبادرتي (COVAX) و(GAFI) في المرحلة المبكرة بعد ترخيص التطعيمات عالمياً.

لقاح التنافس السياسي
بدا لافتاً ان حصول العراق على اللقاحات يخضع لاشتراطات التنافس والاستقطاب بين الفاعلين الدوليين، وبات اللقاح كأداة لإدارة الصراع والتمايز فضلاً عن قياس النفوذ وقوة دعاية مؤثرة، فالصيّن وهي تحاول مدّ نفوذها الصامت في بنية المؤثرين داخل النظام العراقي، منحت نحو 1000 لقاح لطبقة السياسيين اواخر 2020 – قبل وصول اللقاح الى عامة المواطنين بنحو 3 اشهر -. فبكين وظفت اللقاح كرشوة نادرة القيمة داخل نظام يترعرع فيه الفساد، وجعلت (Sinopharm) ورقة تنافس مع الاميركيين في بغداد.
وحين بدأ العراق حملته التطعيمية الاولى، في الثاني من آذار/ مارس الماضي، استخدم فيها 50 الف جرعة (Sinopharm) منحتها الصيّن كهدية، لحقتها بـــ(200) الف جرعة مجانية اضافية في ابريل/ نيسان. ورغم ان بغداد تعاقدت مع بكين منذ ايلول/ سبتمبر 2020 على توريد (8) ملايين جرعة، على آمل ان تورَّد أولى الشحنات في اوائل حزيران/ يونيو، لكنها وصلت في 13 آب/ اغسطس، بفاصلة تأخر بلغت عاماً. ما فتح تساؤلات: عن سُرعة بكين بارسال شحناتها المجانية، وتأخر شحنات مُشتراة منها رسمياً!
ثمة تداعي سياسي أخطر لتَدخل الصيّن المباشر على خط مكافحة الوباء لُقاحياً في العراق، فبكين تعرض مساعدتها “القيّمة” بظل تقاربات حكومة عادل عبد المهدي المُقالة، والاتفاقية الصينية – العراقية المدعومة بقوة من طهران. بينما واشنطن مع تنامي الهجمات وضغوط تسريع سحب القوة العسكرية، وانتهاء “جولات الحوار الاستراتيجي” المُصممة لإنقاذ (الاميركي) من مواجهة محتومة مع (الايراني). كانت اللقاحات وسيلة مُثلى لتحقيق توازن دعائي وابقاء واشنطن كيدٍ ناعمة تمتد لإعانة العراقيين على تخطي محنة مرهقة.
الولايات المتحدة وظفت هيمنتها على سوق اللقاح العالمي واحتكارها له بوصول التطعيمات الى دول ومجتمعات ضعيفة وبين الاستجابة الى سياساتها، مُستغلة الجائحة وغياب التنسيق الدولي المُنصف. لذا ربطت بين حصول العراق على دفعات لُقاحية عاجلة، وبين استدامة العلاقة مع حكومة متوافقة معها. وكواحدة من مخرجات “الحوار الاستراتيجي” بين البلدين، اعلنت واشنطن عن التبرع بـ500 الف جرعة (Pfizer) عبر (COVAX).
أما روسيا فقد ضغطت على بغداد للاعتراف بلقاحها (Sputnik V)، دون أن تتبرع موسكو او يستورد العراق منها اية شحنات حتى الآن، وغالب الظن ان الاثار الجانبية عالية الخطورة للقاح تقف عائقاً أمام توريده.

لقاحات مُحصَّنة
التداعي الأخطر للمنافسة الصينية – الاميركية على حيازة التأثير المخملي لمكافحة الوباء، كان بفرض تشريع قانون متعجل لحماية شركة (Pfizer) من المقاضاة والملاحقة ان تسبب لقاحها بأية اضرار لمطعمين محليين، حتّى توافق الشركة على توريد لقاحاتها الى العراق سواءً عبر (COVAX) أو تبرعات واشنطن او الشراءات المباشرة من قبل بغداد.
اقرّ قانون [توفير واستخدام لقاحات كورونا رقم (9) لسنة 2021]، على نحو عاجل بعد اسبوع واحد فقط من وصول الهبة الصينية. وبدا قانوناً كولينيالياً بامتياز، حين افترض البراءة المُسبقة والاعفاء من المسؤولية للشركات الاجنبية وقيّد حق المواطن بمقاضاة صانعي اللقاح.
مارست (Pfizer) عبر واشنطن ضغوطاً وابتزازاً على السيادية العراقية، وتعاملت مع مستويات قراره بمستوى من الندّية، بربط بيع منتجها الطارئ المُكافح لـ”كورونا” بحصانة سياسية نافذة من أعلى سلطة تمثيلية في البلاد [1]، فطلبت من بغداد حماية مُسبقة عن اضرار متوقعة لمُنتجها، ورفضت قراراً لمجلس الوزراء كضمانة مؤسسية تُحصّنها، واعتبرته فاقداً للقيمة طالما إن التمثيل السياسي يُعد برلمانياً، فضغطت عبر حكومة الكاظمي التي دعمت الشركة وقدمت مسودة القانون، بأن تكون حصانتها تشريعاً نيابياً صريحاً نافذاً. وفعلاً، مررته الندوة النيابية العراقية بجلسة فقيرة النصاب (193 نائباً من أصل 329 نائباً) نصّ على: “حماية منتجي اللقاح وممثليهم الاقليميين من المطالبات الناتجة عن مواجهة الجائحة”.
شَمِلَ ما يمكن تسميته بـ”قانون حصانة فايزر”، جميع الشركات المصنعة الاخرى التي طلبت فقط تعهداتً تعفيها من الملاحقة لا قانوناً مُشرعاً، وبالتالي ضيّع النظام السياسي على مؤسساته والمجتمع المدني ومواطنيه حق مقاضاة شركات اجنبية تُصنع منتجات طارئة لم تكتمل دورة فحوصاتها السريرية بعد للتحقق من أمان وسلامة اللقاح وفعاليته.
مجلس النيابي والحكومة لم يكتفيا بمنح الحصانة المبكرة لصانعي اللقاحات الدوليين، بل سعيا الى تقييد المُطعمين العراقيين من ملاحقة حتى وزارة الصحة بحجة “توفير الحماية القانونية للوزارة والعاملين فيها”، ما يُمكن عَدّه استغلالاً نفعياً لأزمة وطنية.
العراق لا يملك برنامجاً لمراقبة فعالية اللقاحات على المُطعمين او اخضاعهم لفحوص سريرية الى الآن، إسوة بمصر والامارات والبحرين التي شاركت الصيّن باختبارات التصنيع مثلاً، فالبرنامج – إن وجد – سيساعد بتمكين السلطات الصحية على رصد متغيرات الفيروس واستجابة اللقاحات لها، فضلاً عن تتبع الآثار الجانبية التي قد يتعرض لها الحاصلين على اللقاحات الواردة من مناشئ ومعاملات تصنيع مختلفة. وكأن القانون المُشرع عُد بمثابة “اخلاء مسؤولية” مطلق، مع غياب لأدوات التحقق من دعاوى تضرر المُطعمين.

التطعيم كأداة للمراقبة
أطلق العراق مع بدء وصول الشحنة الصينية المجانية في (2 آذار/ مارس الماضي) منصة تسجيل رقمية للحصول على اللقاح. لكن وزارة الصحة لا تحمي معلومات المُسجلين بدليل مشاركتها مع (جهاز الأمن الوطني)، وربما تُنقل الى/ أو تُستخدم من قبل وكالات أمنية أخرى، بوصفها قاعدة بيانات مملوكة للحكومة. ما يمكن اعتبارها اخلاقياً بيانات أُنتزعت بـ”الإكراه” أو تحت ضغط “الخوف الوبائي”، بدون الموافقة الطوعية للمُسجلين، ومساومتهم عبر إقرارهم اجبارياً على انتهاك خصوصيتهم مقابل الحصول على لقاح لا يحق لهم فيما بعد ملاحقة المناشئ المُصنعة لها.
ايضاً هذه البيانات قد تتجاوز غرضها المُعلن الى استخدامات مؤسسية غير مُعلنة، بما ينتهك الخصوصية والسرية الطبية ويتجاوز حدود الاخلاقيات التي تنظم الحفاظ على محدودية تداول البيانات الشخصية [2]، فمنصة تسجيل وزارة الصحة العراقية تستوجب معلومات تفصيلية عن محل الإقامة، رقم الهاتف، نوع ومكان العمل، وإذا ما كان المُسجل موظفاً حكومياً، فعليه الإشارة الى الوزارة او المصلحة الحكومية التي يرتبط بها. كما يتطلب الافصاح عن الخلفية الوطنية (عراقي/ عراقي نازح/ أجنبي).
وبما إن جميع حقول منصة التسجيل مغلقة وإلزامية، فانها لا تمنح لطالب اللقاح حق الإفصاح عن بياناته طوعاً، بل تُقسره بخطوات محددة، وتشترط خطوتين اجباريتين لاستكمال ملء الطلب: الأولى بالتحقق من صحة رقم الهاتف عبر ارسال (COD) لتفعيل إنهاء التسجيل بالخطوة الثانية، التي تتطلب تعهد المُسجل على “صحة المعلومات” التي ادخلها “أمام القانون”، وانه على “علم بأن جميع الحقوق محفوظة لدى وزارة الصحة وبالتعاون مع جهاز الامن الوطني”.
هذه الاشارة تحمل نوعاً من “التهديد” و”الضبط الجسدي” و”الحق بالملاحقة” وفقاً لمفهوم ميشيل فوكو لفكرة “المراقبة” ضمن الدولة القابضة [3]. وهو ما استعمله العراق عملياً بـ”الزامية التلقيح”، وأن يكون التطعيم شرطاً لممارسة مهام الوظيفة، عقد المؤتمرات والتجمعات، مراجعة المصالح الحكومية، الحصول على سكن جامعي، وربما لاحقاً كشرط للمشاركة بالاقتراع العام.
بالمقابل، لا يقدم العراق تعهداً مؤسسياً لمواطنيه بعدم استخدام تلك البيانات خارج حدود معالجة الأزمة الوبائية، حيث تنعدم الشفافية الحكومية، ويكون الفرد فقط خاضعاً للحكومة بتقديم معلومات دون اية ضمانات تحميه، ودون ايراد التفسير او الاطار القانوني للمساءلة. كما لا تقدم الحكومة تعهداً بعدم توظيف البيانات للضبط الامني أو تمنع استغلالها سياسياً أو تجارياً من قبل شركات الادوية. وربما تنتج عنها أيضاً سياسات تمييز وعدم مساواة، كالحصول على الوظائف او الاعانات الاجتماعية وغيرها من الانشطة المتعلقة بالحرية الفردية او الحقوق الاساسية للمواطنية.
وُظِفت منصتي الوصول الى اللقاح في العراق وكردستان، لتكون أداة لجمع المعلومات وقت الأزمة، وهو ما لا يُمكن أن يُتاح خارج الأزمات. كما إنهما لا يعتمدان برتوكولات جمع بيانات المستخدمين المتفق عليها بسياسة الاستخدام (Policy Usage) وسياسة الخصوصية (Policy Privacy). تجيء هذه المخاوف لكون النظام في العراق هشّ وغير مؤتمن، وبالتالي فأن انتقال السلطة الى جماعات سياسية متطرفة أمر وارد الحدوث بظل الهشاشة الديمقراطية المتأثرة بتسيّد الفساد وتنامي العسكرة.
بالعموم، لا يمتلك العراق إطاراً وطنياً لإدارة جمع البيانات الرقمية وحمايتها، وليس هناك من قانون مُشرّع لتنظيم النشاط الالكتروني، ويعتمد الجسم القضائي على مقاربات قانونية مستخلصة من قانون العقوبات (1969) في تكييف الاحكام على “الجرائم الرقمية” المُستحدثة. فالنظام السياسي ومنذ اعوام يحاول اقرار قانون غير منصف، يُشجع فاشية الدولة على تقييد حرية التعبير تحت مُسمى “قانون جرائم المعلوماتية” الذي لم يشر فيه الى مدى قانونية قيام الدولة بجمع بيانات رقمية عن مواطنيها. كما لا توجد في الدستور (2005) المُقرّ في العصر الرقمي، اية اشارات الى صيانة الخصوصية الرقمية الشخصية، سوى لَفتة عمومية بالمادة (17/ أولاً): بأن “لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لايتنافى مع حقوق الاخرين والآداب العامة”.
لقاح الطاعة الرقمية
تجيء اجراءات مقتدى الصدر مع جمهوره، كأفضل تمثلات “المراقبة” و”الضبط الجماعاتي” المؤدية الى “الضبط السياسي”، مُستغلاً ظروف الجائحة وما توفره من مساحات تدخلية وفرض انماط من القيادة والتوجيه و”الالزام بالطاعة”.
فالصدر ومنذ بدء الجائحة، يحاول توظيفها في تجريب قوة نفوذه داخل جماعته الواسعة، ومدى استجابتها الى توصياته. وبلغ به الاستغلال السياسي للوباء الى قياس الشعبية وولاء، عبر مشروع “جمع بيانات رقمية” اسماه بـ”البُنيان المرصوص“، يفصح به الاتباع “طوعياً” عن معلوماتهم وبياناتهم الشخصية دون معرفة الوجهة النهائية لها او الاغراض التي ستستخدم فيها. واشترط الصدر على جميع مريديه التسجيل في المنصة الرقمية، حتى يتم اعتبارهم “صدريون اقحاحاً يدعمون قائدهم المُصلح”، وبخلافه يتم طردهم من التيار وحرمانهم سياسياً وتنظيمياً وربما عقائدياً ايضاً. وضمن المشروع نفسه، وفي مرحلة منه مبكرة وغير معلنة، طالب الصدر اتباعه التقيّد بـ”التباعد الجسدي” واستخدام المعقمات والكمامات، وفي مرحلة لاحقة معلنة اوصى بالتطعيم و”إلا اعتبرهم خارجين عن التيار” و”محرومين من رضاه”.
تبدو وصايا الصدر لدرء الجائحة، منسجمة مع المناخ العام على الكوكب، واحياناً دعماً لتوصيات السلطات الصحية، لكنها ايضاً تحقق له نوعاً من اعادة فرض السلطة على تياره المنقسم على نفسه من الداخل مع بروز مراكز قوى تضاهي الصدر نفوذاً. لذا تشديدات الصدر على التطعيم، ومن ثم ظهوره جسدياً لاخذ اللقاح – يُعد السياسي العراقي الوحيد الذي تلقى اللقاح علناً -، إنما محاولة لضبط شتات القوة الموزعة بين منافسين داخليين، ومراقبة اعداد انصاره الذين لبوا نداء “الطاعة الرقمية”، وبيّن اعداد الذين فضلوا تجاهله.
التمييز على اساس اللقاح
في المستشفيات الكبيرة يحصل المُطعمون في الاعم الاغلب على اللقاح الاكثر تفضيلاً (Pfizer)، بينما لقاح (AstraZeneca) فيمكن الحصول عليه من مراكز الصحة الاولية في الاحياء والمناطق، على المنوال نفسه اللقاح الصيني (Sinopharm) الذي بات يُمنح ايضاً من قبل الفرق الجوالة في المناطق والاسواق ودوائر الحكومة فحفظه والتنقل به لا يستوجب درجات حرارة منخفضة، اضافة الى محاولة الترغيب به.

ظلّت الشكوك الاجتماعية تقف مصداً صعباً أمام المضي بتحفيز غير المصابين على التطعيم، نظراً للمعلومات الشفاهية ومنصات التواصل الاجتماعي وتحذيرات مؤثرين دينيين عن مخاطر التلقيح، وما عززها، فشل منع الاحتفالات الدينية المليونية وسط اشاعات تفيد بأن اداء الطقوس يُحصن “المؤمنين”، رغم أن المرجع الديني علي السيستاني افتى في عدد من المرات بـ”حرمة خرق القواعد الصحية“، و”أيّد منع التجمعات الدينية“، وبـــ”عدم تعارض اللقاح مع الشريعة“.
وكواحدة من ممارسات التنافس وغياب برنامج وطني موحد لتوزيع اللقاحات يجيء الفشل التنظيمي، فالسلطات لا تلتزم بمنهج واحد، وغالباً ما تلجأ الى حلول مرتجلة ودعائية. فرغم الاعلان عن منفذ رسمي لتسجيل طالبي اللقاح، ابتدعت السلطات طريقة موازية بتمكين راغبي التطعيم دون النظر بالاولوية الصحية والعمرية، التوجه مباشرة دون مواعيد مسبقة الى مراكز التطعيم، ما احدث اكتظاظاً وطوابير انتظار في مراكز، ونفاذاً للجرعات في اخرى. ومن ثم اطلقت حملات التلقيح الجوالة، وسمحت لجهات بعينها على تلقيح افرادها حصراً (الحشد الشعبي)، هذه الانماط التمييزية المتضاربة، ووفرة اللقاح في مناطق وشحته في اخرى، عززت العزوف الاجتماعي والشكوك بجدوى اللقاح.
وحيث تؤكد بيانات التطعيم الموثقة لدى المكتب القطري لمنظمة الصحة العالمية في العراق، عن منح (1,313,809 جرعة Pfizer) فهو اللقاح الاكثر تفضيلاً، فيما الوفرة في اللقاحين الآخرين الاقل اقبالاً، حيث منحت (660,724 جرعة AstraZeneca)، و(522,847 جرعة Sinopharm) فقط للفترة (2 آذار/ مارس – 8 آب/ اغسطس 2021)، ما دفع دائرة الصحة العامة الى زيادة الفاصلة بين جرعة (Pfizer) الاولى والثانية الى نحو 12 اسبوعاً. فالسلطات لا تفرض نوع اللقاح لكنها تشجع على “الزامية التلقيح”. وتُفسر وزارة الصحة: “نحرص على توفير اللقاح الذي يفضله المواطن، بغية تحقيق أكبر عدد ممكن من الملقحين”. وهذا يمكن تسميته بـ”رفاهية اللقاح”.
مشكلة التطعيم في جزء منها تكمن بعدم ثقة الناس باجراءات الدولة. ما حتّم فرض “الزامية التلقيح” وهو ما قد يقود حتمياً الى “إجبارية التلقيح” لمن تقدر السلطات على “ضبطهم جسدياً” كالموظفين والمنتسبين والسجناء. فالمؤسسات والحكومات المحلية، باتت تفرض التلقيح. بعبارة أخرى منح اولوية التطعيم للجسم الحكومي على حساب النسبة الاعظم من المعرضين للاصابة من العمال والكسبة والمشتغلين في القطاع الخاص او العاطلين عن العمل الذين سيواجهون تهميشاً واضحاً.
الهوامش:
[1] نوّه النائب عمار طعمة بجلسة اقرار القانون، إن شركة فایزر عندما طلبت تشريع قانون حصانة من العراق، اعترفت في مخاطباتها مع شركة كيماديا، ان عملية التصنيع تمت في ظروف استثنائية مستعجلة، وتتوقع احتمال نشوء ضرر، فطلبت قانون حصانة لحماية نفسها، بينما كشف النائب غايب فيصل في الجلسة نفسها، بأن الشركة رفضت اعتبار قرار مجلس الوزراء بمنحها الحصانة القانونية بعدم ملاحقتها كافياً.
[2] يوصي معهد الديمقراطية الاميركي (NDI) في دليله الرسمي المقدم الى الحكومات الوطنية والسياسيين عبر العالم لادارة أزمة الجائحة التنفسية، بوجوب ان تكون برامج المراقبة او التوسع باستخدام التقنيات الجديدة وجمع البيانات والمعلومات الشخصية عن الافراد للحد من انتشار الوباء، منفتحة وشفافة ولمدة محدودة وخاضعة لرقابة مستقلة لمنع الاستخدامات الحكومية الاخرى. راجع لفهم المزيد من مخاطر جمع البيانات الرقمية: الحق في الخصوصية في العصر الرقمي، تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الانسان، رقم الوثيقة (A/HRC/39/29/3 August 2018).
[3] اعتبر ميشيل فوكو في كتابه المراقبة والعقاب – ولادة السجون (Surveiller et punir: Naissance de la Prison) – 1975. وصدر بالعربية تحت عنوان (المراقبة والمعاقبة). إن المجتمع الحديث يستخدم مفهوم السلطة والمعرفة (power-knowledge) من اجل التحكم. فالمزيد من المعرفة تقود إلى سلطة تتربع على مستوى متزايد من المراقبة. وتظهر فيها قدرة المؤسسة على تعقب ومراقبة الأفراد طوال حياتهم، كما تشيع رهاباً مستمراً مسكوت عنه وشعوراً دائماً بالرقابة يسري في المجتمع.