صفاء خلف

العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي وتركيبته الاجتماعية، لن يبقى هامشاً في المعادلة الدولية – الإقليمية الجديدة، بل فاعلاً يتجسد فيه التغيير. وأي إعادة ترتيب إقليمي ستنعكس مباشرة على شكل نظامه السياسي ووظائفه. والسؤال لم يعد ما إذا كان النظام الحالي سيستمر بصيغته الراهنة، بل إلى أي مدى يستطيع أن يعيد تعريف نفسه ضمن منطق «الدَّولة المسؤولة» قبل أن تفرض التحولات الإقليمية إعادة صياغته من الخارج.
لا يُمكن قراءة الأزمة العراقية السِّياسية الماثلة بوصفها تعثراً أو انسداداً داخلياً مُستعصياً فقط، بل جزءاً من ترتيبات انتقال دولي وإقليمي أوسع ومقاربة عالمية جديدة، يُعاد بموجبها تعريف وظيفة الدَّولة، وحدود السِّيادة، ومعايير الشَّرعية السِّياسية.
لا يُمكن قراءة الأزمة العراقية السِّياسية الماثلة بوصفها تعثراً أو انسداداً داخلياً مُستعصياً فقط، بل جزءاً من ترتيبات انتقال دولي وإقليمي أوسع ومقاربة عالمية جديدة، يُعاد بموجبها تعريف وظيفة الدَّولة، وحدود السِّيادة، ومعايير الشَّرعية السِّياسية.
يَشترط التَّحول الجاري في النظام الدَّولي والإقليمي إعادة تعريف وظيفة الدَّولة. إثرَ عقود من إدارة الصِّراعات عبر الوكلاء، الجيوب المسلحة، الجَّماعات السِّياسية العابرة للولاء الوطني، والكيانات الهشَّة، يتجه النظام العالمي نحو مقاربة أكثر نَُضجاً يتأسس عبرها الفعل السِّياسي والأمني في إطار «الدَّولة المسؤولة»، بوصفها كياناً شرعياً وحيداً قابلاً للضبط والمساءلة والعقاب. ضمن هذا السِّياق، لم تعد شرعية الفاعلين المحليين تُقاس بقدرتهم على التعطيل أو فرض سُلطة الأمر الواقع، بل بمدى قابلية ومرونة الجَّماعات السِّياسية على الاندماج والخضوع لنموذج دولة مركزية تتحمَّل مسؤولية خطابها وأفعالها. بالتالي؛ وفقاً لهذه المُقاربة، تفقد «الجيوب والجماعات» قيمتها وأهميتها الوظيفية، حتى حين تظل مُستأثرة بقوة السِّلاح أو التمثيل السِّياسي الشَّكلي، إذْ تتحول من أدوات نفوذ إلى عبء. العراق، وسياقات مشابهة اخرى مثل لبنان، تعتبر دولاً هشَّة، تُدار بوصفها مساحات اختبار لإعادة هندسة الوظيفة السِّياسية للدَّولة. إذْ يُصبح التحدي الأساسي ليس تفكيك الصيغ القائمة بالقوة، بل إعادة تأهيل مكونات النظام السِّياسي ضمن منطق «الدَّولة المسؤولة».
مقاربة «الدَّولة المسؤولة»: تفكيك الجيوب والجَّماعات
يُبرز التَّحول مُقاربة أكثر نُضجاً. مُقاربة قائمة على اساس مُغادرة سياسات دعم «الجيوب والجَّماعات»، التي ازدهرت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتغذّت على تفكك الكتلة الاشتراكية، بما في ذلك صعود «الاسلام الجهادي» بفعل سياقات التدخل العسكري في المنطقة وغزو العراق؛ لصالح إعادة تفعيل منطق «الدَّولة المسؤولة». وفقاً لذلك، تُعاد «الدَّولة» إلى موقعها الاصلي، كيان يملك آليات تشكل منهجية، تمثيل شرعي، أدوات ضبط محلي قابلة للمراقبة، وقدرات ادارة وطنية يُمكن هيكلتها وتنظيمها من جهة. ومن جهة أخرى، كيان مؤسسي معترف به دولياً يمكن مساءلته ومعاقبته. بموازاة ذلك، تنطوي المقاربة الجديدة على مفارقة بنيوية ايضاً؛ إذ إنَّ تفكيك أنظمة حكم قائمة، أو جماعات كانت تحتكر السلطة، استوجب في حالات مُحددة إعادة تأهيل سلوك بعض الجيوب المسلحة أو السِّياسية، وتمكينها من استملاك إدارة الدَّولة، أو دمجها قسراً ضمن بنيتها المؤسسية.
يُبرز التَّحول مُقاربة أكثر نُضجاً. مُقاربة قائمة على اساس مُغادرة سياسات دعم «الجيوب والجَّماعات»، التي ازدهرت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وتغذّت على تفكك الكتلة الاشتراكية، بما في ذلك صعود «الاسلام الجهادي» بفعل سياقات التدخل العسكري في المنطقة وغزو العراق؛ لصالح إعادة تفعيل منطق «الدَّولة المسؤولة». وفقاً لذلك، تُعاد «الدَّولة» إلى موقعها الاصلي، كيان يملك آليات تشكل منهجية، تمثيل شرعي، أدوات ضبط محلي قابلة للمراقبة، وقدرات ادارة وطنية يُمكن هيكلتها وتنظيمها من جهة. ومن جهة أخرى، كيان مؤسسي معترف به دولياً يمكن مساءلته ومعاقبته. بموازاة ذلك، تنطوي المقاربة الجديدة على مفارقة بنيوية ايضاً؛ إذ إنَّ تفكيك أنظمة حكم قائمة، أو جماعات كانت تحتكر السلطة، استوجب في حالات مُحددة إعادة تأهيل سلوك بعض الجيوب المسلحة أو السِّياسية، وتمكينها من استملاك إدارة الدَّولة، أو دمجها قسراً ضمن بنيتها المؤسسية.
يُقدِّم النموذجان الأفغاني (ما بعد الانسحاب الاميركي)، والسوري (انهيار نظام الأسد وصعود جبهة تحرير الشَّام)، مثالاً دالاً على التحول نحو مركزة القرار والفعل ضمن إطار مسؤولية الدَّولة، والخروج التدريجي من وضعية «الجَّماعة المتمردة». بدا المسار، في لحظة ما، خياراً غير قابل للتصديق. إذْ إنَّ التخلي عن أنظمة قائمة واستبدالها بصيغ تجريبية تقودها جماعات أو شبكات نفوذ ذات «ماض جهادي»، بدت متعارضة مع منظومات وسرديات القانون الدولي. خيارٌ من وجهة الطَّرف الرابح والفاعل الدَّولي، قد لا يضمن الاستقرار في مرحلته الآنية، لكنه يحدّ من الفوضى القابلة للتَّدويل والعابرة للحدود على المدى الابعد، ريثما يتم انضاج التجربة بمزيد من الضَّبط والحوكمة.
تختبر المنطقة مرحلة انتقالية لم تتبلور بعد ملامحها النهائية على مستوى الحدود والاصطفافات، غير أن اتجاهها العام بات أكثر وضوحاً. ففي السِّياق الإقليمي والدولي الآخذ بالتشكل، لم يعد هناك هامش واسع يسمح بالتعايش مع «الراديكالية»، ولا مع صيغ «جيوب المشاغلة» بوصفها أدوات ضغط أو إدارة صراع بالوكالة. تُشير المُعطيات المتراكمة إلى مسار تفكيك منهجي لمختلف أشكال «الراديكالية»، بما في ذلك الجماعات الحزبية والتشكيلات الاسلاموية التي لطالما استُخدمت لإرباك الدول من داخلها. يعكس التَّحول نهاية منطق «سياسة الجيوب والجماعات» بوصفه مقاربة إقليمية، مُحفزاً انتقالاً تدريجياً نحو نموذج «دَّولة» تُبرهن قدرتها على انتاج سياسات واجراءات مؤسسية، وتُقاس شرعيتها بقدرتها على الضبط والمساءلة. يمكن قراءة هذا الاتجاه في جملة من الوقائع المتزامنة، من بينها مثلاً اقليمياً، مواجهة الرياض – ابو ظبي على الأراضي اليمنية، ايضاً ما يتعلق بالحرب السودانية، التَّغير في المقاربة السورية بدعم أميركي تجاه الفاعلين الأكراد خارج منطق التمرد، اشكالية دروز السويداء، فضلاً عن الغموض المقصود الذي يلفّ مستقبل غزة، بوصفه اختباراً لنهاية نماذج الإدارة عبر الفصائل.
لا يعني التَّحول، غياب محاولات توظيف الجيوب بالكامل عن المنطقة. ثمة قوى إقليمية، لا تزال تستثمر في صعود الكيانات الصغيرة أو الصيغ الانفصالية كأدوات وظيفية ظرفية، مثل دعم المطالبات الكردية بنيل «الاستقلال»، نموذج المجلس الانتقالي اليمني الجنوبي، والاعتراف بـ«كيان صوماليلاند». لكن من منظور تاريخي، ظلَّ جوهر أزمات المنطقة على صلة وثيقة بسياسات الجيوب والتمرد والمواجهة بالنيابة على مدى عقود ماضية، صناعة ايرانية مُزدهرة جعلت منها استراتيجية فعالة لتوسيع نفوذها الإقليمي، سواءً في العهد الشاهنشاهي [دعم التمرد الكردي شمال العراق]، أو متبنيات «الثورة الاسلامية» لاحقاً في عموم المنطقة.
رُغم ذلك، فإن المقاربة الجديدة، تنطوي على تجريب نموذج «الجيوب والجماعات» على الداخل الإيراني نفسه، بوصفه تمهيداً لإدارة مرحلة ما بعد تآكل نموذج «ولاية الفقيه». بهذا المعنى، يمكن فهم المسار الراهن على أنه معادلة مزدوجة: تجفيف الساحة الإقليمية من الجيوب بوصفها أدوات نفوذ عابرة للحدود، مقابل فتح المجال أمام تفعيل الجيوب داخل إيران ذاتها، بما يحدّ من قدرتها على استعادة دورها الإقليمي طويل الأمد، ويُبقيها منشغلة بإدارة أزماتها الداخلية، لا بتصديرها إلى محيطها.
في المقاربة الجديدة، يُعاد تعريف موقع العراق لا كمنطقة «مُقايضة هامشية» أو «سلعة تراضٍ» بين واشنطن وطهران، بل كساحة مركزية، يتحدد مسارها تبعاً لمآلات الصِّراع والتَّصورات المصلحية للطَّرف الرابح. ضمن هذا التَّحول، لم يعد هناك مجالٌ للعودة الى منطق التَّسويات المرحلية، أو سياسة ربط الملفات واحدً قُبالة آخر. إنها لحظة تصفير في سياق الانتقال إلى نظام عالمي جديد بدأت تتبلور تمثلاته الإقليمية مُنذ تداعي الصِّيغة القديمة التي وُأدت تحت رُكام “السَّابع من أكتوبر”؛ وما أعقبه من انهيارات بنيوية في أنظمة ووظائف حكم قائمة في المنطقة. مثالاً؛ تصفية النظام السوري، إضعاف ايران وجماعاتها، تفكيك قُدرات حزب الله، وإعادة مأسسة جزئية للدَّولة اللبنانية.
العراق: إعادة التعريف الدَّولة والنظام
تشكيل حكومة عراقية جديدة، واستكمال مسار انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بوصفه الاداة التقليدية المُتاحة لتوازن وضبط الصَّعيد الوطني، لا تُمثل انسداداً هائلاً لا يمُكن تفكيكه، بقدر ما يعكس مساراً مُتعثراً محكوماً بالتأجيل، ريثما يتم التَّحقق من ملامح النَّظام السِّياسي المقبل للبلاد، الذي يُراد له ان ينسجم مع المسار المُزدحم والمضطرب لصياغة نظام عالمي جديد بدأ بالتَّشكل. في الوقت نفسه؛ المسألة العراقية ستظل مُعلقة، ما لم تُحسم المآلات المفتوحة للصِّراع على تفكيك بنية النظام الإيراني أو إعادة إنتاجه. فهذه المآلات لا تخص إيران وحدها، بل تنعكس مباشرةً على إعادة هيكلة المنطقة، ووظائف دولها، وخطاباتها وتوجهاتها المستقبلية.
الموقف الأميركي الرافض لخيارات «الإطار الشيعي»، بما في ذلك ترشيح شخصيات ذات ارث مُثقل بالفشل، وتعزيز الانقسام، والإخفاق الأمني، وبناء شبكات نفوذ مؤسسية مُتداخلة مع الفساد الواسع داخل الدَّولة؛ لا يمكن اعتباره غَضَباً عابراً، أو تبايناً مرحلياً قابلاً للاحتواء عبر “تسوية” أو “تنازلات” تمس القيّم المُفترضة التي ترفعها الجَّماعة الشِّيعية. إنما يعكس تحولاً في سياسة الولايات المتحدة وإعادة موضعة نفوذها في المنطقة الاقليمية وإدارة الصِّراع العالمي. بمعنىً آخر، واشنطن، تتجاوز «الإطار الشيعي» تاريخياً بوصفه تراكماً مشوهاً لفوضى الماضي، ما يمثل عقاباً سياسياً أسوأ من المواجهة المباشرة، وتفكيكاً بطيئاً لصيغة حُكم خاسرة.
في السيِّاق العراقي؛ يمثّل «الإطار الشيعي» جيباً سياسياً فاشلاً، وعبئاً بنيوياً على أي مسار سياسي مُقترح، يُعزز من هشاشة الدَّولة التي تُصارع من اجل الانتقال الى نظام سياسي مُستقر. لذا، وقبل أن يتمكن العراق من امتلاك مُقاربة سيادية مستقلة — ولو بالحد الأدنى وعلى المدى المتوسط—، سيظل يُدار بوصفه جزءاً من عملية إعادة ترتيب توازنات القوة إقليمياً، بما يجعل الباب مفتوحاً بقوة أكثر من أي وقت مضى، أمام إعادة النظر في شكل نظامه السياسي، وفقاً لمعادلة العودة الى منطق «الدولة المسؤولة».
تنطلق المقاربة الأميركية للحالة العراقية، لاسيما لطبيعة خطاب القوى الشيعية الحاكمة المرتبطة بإيران، من تقييم عملي وظيفي لا ينطوي على محاكمة أيديولوجية، وفقاً لما تُحاول قوى وجماعات «الإطار الشيعي» تسويقه من سردية مُظللة بوصفها «أدوات مُقاومة». الإشكال من منظور واشنطن، لا يتمثل في هوية هذه القوى أو مرجعياتها، بقدر ما يكمن في فشل الصيغة السياسية التي تنتجها في بناء دولة قادرة على التصرف برشادة وطنية، بما يجعلها تتحمّل مسؤولية أفعالها.
«الإطار الشيعي» بوصفه ائتلافاً سلطوياً، والادعاء بكونه مظلة مُنسجمة وجامعة لخطاب فصائله، إلاّ انه في الوقت نفسه، هيكل متداع ومفكك تسوده الانقسامات ومصلحيات ظرفية تتضارب من أجلها جماعاته، بات يُقدم التنازلات للولايات المتحدة، بينما لا يزال أسير أوهام القوة والسيطرة، مُتمسكاً بنفسه ككتلة غير قابلة للإزاحة. مُنكراً على نحو واضح، تحولات البيئة الدولية والإقليمية، وحجم التآكل البنيوي لشرعية النظام داخلياً.
صراعات قوى النظام، سواءً الشيعية، ومثلها السُنية والكردية، لا تعكس تنافساً على مشروع وطني أو رؤية مُستدامة لإدارة الدَّولة، بل “صراع بقاء” تغذّيه الأوهام. إذْ تفترض القوى، إنَّ الصيغة الحُكمية القائمة لا تزال قابلة للاستمرار، وبالامكان اعادة تدويرها وفرضها مرحلةً تلو أخرى، عبر التحايل السياسي، واقتصاد النهب، وقوة السلاح، وتوسيع زبائنية الفساد. ما يُعزز فرضية الانفصال عن الواقع، محاولة التَّكيف مع تشكّل نظام عالمي جديد بالأدوات الخطابية والحُكمية ذاتها، وبمنطق إدارة داخلية أثبت فشله وفساده، قائم على ثنائية «الرَّداءة» و«العجز»، لا على اساس إعادة تأهيل الدولة والنظام السياسي بوصفهما فاعلين مسؤولين في مرحلة انتقالية اقليمية مُعقدة. افتراض يتجاهل الحقيقة الأكثر جوهرية: العالم يشهد تفككاً لنظام يتآكل، وتشكّل آخر جديد بمنطق مختلف. ضمن هذا التحول، لا يقف العراق على الهامش، بل يتموضع في قلب معادلة إقليمية جديدة، لا تستوعب الابقاء على الصيغة السياسية القائمة، بل تتجه نحو تفكيكها.
تُراهن القوى الحاكمة في العراق على صعوبة أو حتى استحالة إنتاج نظام بديل. غير أنه افتراض لا يعدو كونه وهماً إضافياً. الولايات المتحدة، وفق مقاربات جديدة باتت تتقاطع فيها أولويات «استراتيجية الأمن القومي» المُعلنة أواخر 2025، مع توجهات الإدارة الأميركية الراهنة والخطاب السياسي–الأمني السائد في مراكز القرار الغربي. السَّردية الجديدة لم تعد تستثمر في الصيغة الحُكمية التي نتجت عن تفكيك الدَّولة العراقية في 2003. وفقاً لهذا المنظار، لم يعد العراق ورقة ضغط أمنية؛ فمرحلة الإرهاب الشامل والانهيار الأمني باتت سياقاً ماضوياً جرى احتواؤه، رُغم محاولات «الإطار الشيعي» إعادة استدعائه عبر ترشيح شخصيات لرئاسة الحكومة المُنتظرة، ارتبط اسمها بإرث أمني كارثي خلال دورات حكم سابقة فاشلة.
في هذا السياق ايضاً، يُمكن قراءة المناورة المؤسسية الدولية عبر نقل ملف معتقلي تنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)» إلى العراق، مؤشراً على تفكيك منطق «الجيوب والجماعات» وترسيخ مبدأ «الدولة المسؤولة». إذْ يسعى الخطاب الغربي عموماً، الى اعادة تسويق حالة العراق بعيداً عن توصيفات الانهيار. في الوقت نفسه، ثمة إجماع دولي على إنَّ الدولة العراقية مازالت مُفككة، تعاني من مؤسسات مترهلة تشهد فساداً بنيوياً واسع النطاق، ونظام محاصصة يعيق الحوكمة. رُغم ذلك، ثمة وجود لهيكل مؤسسي قابل لإعادة الضبط والتنظيم. على خلاف منطق «الجيوب والجماعات»، تراهن المقاربة الجديدة على الدَّولة فقط بوصفها الإطار الوحيد الذي يُمكن اصلاحه، والاعتراف بإجراءاته.
لا يبدو تفكيك الكتلة السياسية الشِّيعية القائمة احتمالاً مُستبعداً، والذي قد يستدعي ايضاً تفكيك أجزاء من الكتلتين السُّنية والكردية، لاسيما المرتبطين بعقوبات دولية، أو اولئك المتحالفين مع إيران وشبكات نفوذها الإقليمية. فالقوى الحالية، بصيغها التنظيمية وخطاباتها السائدة، لم تعد قابلة لإعادة التركيب أو التكييف بما ينسجم مع منطق المرحلة المقبلة، ولا مع التصورات الجديدة التي تتشكل لادارة مستقبل المنطقة. ضمن هذا التحول، تفقد التحالفات الداخلية الهامشية قيمتها، حتى في الحالات التي تبدو فيها هذه التوازنات نافعة أو مستقرة ظاهرياً. إذ لم يعد معيار القبول مرتبطاً بقدرة هذه القوى على المناورة داخل النظام القائم، بل بمدى قابليتها للاندراج ضمن منطق الدَّولة المركزية المسؤولة، والاندماج ضمن إعادة ترتيب المجالين الإقليمي والدولي.
في العراق الحالي، لا تزال هناك جيوب وجماعات متعددة تعمل خارج منطق الدَّولة، وتُؤثر على الخطاب الرَّسمي: جماعات نهب ولصوصية تستقوي بسلاح واهن، بمسيّرات بدائية من البلاستيك محشوة بذخيرة صدئة، وصواريخ فارغة محدودة المدى تتفجر بعد إطلاقها. سطوة هذه الجماعات لا تنبع من قوتها، بل من ضعف الدولة وتواطؤها. الجيوب والجماعات اللصوصية وان كانت ممثلة نيابياً، لا يعكس رسوخاً سياسياً بقدر ما يشير إلى حالة صاعدة مرشحة للتآكل والتبخر مع أول تحوّل بنيوي في المشهد السياسي حين تؤكد «الدولة المسؤولة» حضورها القوي. في المقاربة الأميركية – الدولية الجديدة، لا تُعدّ هذه الجماعات خصماً كفؤاً يستوجب المطاردة والمواجهة المباشرة معها؛ بل ستُترك لتضمحل، كطفيليات غير مرئية عالقة في جسم الدَّولة تقتات بصمت على العقود والنهب والمال العام، إلى أن يتولى نظام وطني جديد، إن وُجد، تصفية هذا الإرث وجماعاته ومستفيديه.
من المُرجح أن تقاوم الجيوب والجماعات العراقية مسار اضمحلالها، كرد فعل متوقع وطبيعي إزاء الخسارة، لكنه مرتبط ايضاً بحدود وطبيعة قدرتها على المقاومة. هذه الجماعات، بما لديها من أدوات محلية تُرهب بها «الدولة المسؤولة»، قادرة على إرباك أمني موضعي، أو تصعيد رمزي محدود، أو تعطيل سياسي مؤقت. لكنها بالمُحصلة؛ ستظل عاجزة عن فرض معادلة حكم بديلة، أو إنتاج شرعية معترف بها دولياً، أو حتى إدارة الحكومة أو مؤسسات بعينها دون غطاء «الدولة المسؤولة». من المُستبعد، أن تخوض الجيوب والجماعات صراعاً مفتوحاً في ظل غياب المظلة الاقليمية الراعية المتمثلة بإيران، وانكماش البيئة الحاضنة التي بات ينهكها اقتصاد النهب. فضلاً عن أن الدَّولة، مهما بلغت هشاشتها، تبقى الإطار الوحيد الذي يملك شرعية فرض الأمن وإنفاذ القانون. عملياً؛ حتى في حال سعت الجيوب إلى تعطيل المسار، فإن تأثيرها لن يتجاوز اشكالاً مرحلياً سرعان ما يتحول إلى عامل تسريع لتآكلها، بما يجعل مقاومتها تعبيراً عن بقايا نفوذ لا يملك سطوة إعادة تشكيل الواقع.