صفاء خلف

يواجه العراق أزمة بيئية تاريخية متزايدة، إذ تحولت المشكلات البيئية إلى قضايا وجودية تتنافس عليها الجماعات المحلية والسلطات الحكومية. تسيطر السرديات الرسمية على النقاش، حيث تُعتبر المطالبات العامة تهديدات أمنية، مما يؤدي إلى قمع قوي ضد المجتمعات المتضررة. تظهر الأوضاع المناخية الحرارية والجفاف كعوامل رئيسية في تفاقم الأزمة، حيث يؤدي تدهور جودة المياه والهواء إلى مشكلات صحية واجتماعية. بينما تحتاج السياسات البيئية إلى تغيير جذري لتكون مستجيبة للمطالب الشعبية. ونتيجة لذلك، تتعقد الأبعاد المحلية للأزمة وتهدد استقرار المجتمع والنظام السياسي.
ورقة بحثية نشرت لصالح مبادرة الاصلاح العربي في يناير 2026
يواجه العراق أزمة بيئية – تاريخية نشطة، تحولت في العقدين الأخيرين الى تحدٍ وجودي و”مشكلة اجتماعية” محل تنازع مُستمر، سلمياً غالباً وعُنفياً احياناً، ما بين البيئات المحلية المتضررة عبر تمثلات المطالبة والمُدافعة والمناصرة والاحتجاج، قُبالة السِّياسات والاجراءات السُلطوية الآخذة بالاتساع والمندفعة نحو تحجيم مظلومية السُكان وقمع مطالباتهم وتحييدها بهدف منع تحولها الى “حراك اجتماعي” مؤثر يُحفز المزيد من السخط الشَّعبي، بما يُهدد استقرار وبقاء النظام السِّياسي الذي بات يتلاعب بسرديات الأزمة، نظراً لـ”التَّفاوت الكبير في الحسَّاسية تجاه الظاهرة” (Neveu, 2017)1 بين طرفي السَّرديات المتنازع عليها.
يستدعي المدخل الاساس لفهم طبيعة التَّنازع وكيفية ادارته، توصيفاً عاماً للأزمة وتأثيراتها على المتضررين، بوصفهم اصحاب المصلحة الرئيسيين الذين يمتلكون شرعية المُطالبة والمناصرة والاحتجاج (Claims Makers)؛ ومن المُفترض ان تُصَمَّم السِّياسات العامة البيئية بناء على مطالباتهم من اجل إنصاف مظلوميتهم، بدلاً من صياغة سرديات مُهيْمِنة تقلل من قيمة معاناتهم، وتضع صراعهم الشَّرعي في منطقة تنازع مع الدَّولة/ هياكل الحُكم، كمجموعات “شريرة” تسعى الى هدم السِّلم الاهلي والنَّيل من الاستقرار الوطني. إذْ يتبين من تحليل الوقائع المرتبطة بأشكال الأزمة المُختلفة، أن الدَّولة/ الحكومة/ بُنى النظام السُلطوية تعترف بتلك المُطالبات بوصفها “تهديدات أمنية”، ما يقود الى تفعيل تدخلات قسرية ضد المتضررين، اكثر من اعتبارها مُطالبات مُعتبرة على صلة بتدهور جودة الخدمات والحياة والمعيشة. بمعنى انه اعتراف مشروط بمنطق (الاحتواء – Confinement) من اجل تبرير دينامية القمع لا بِنية اقتراح معالجات. إذْ غالباً ما تتفاعل البُنى السُلطوية بسلبية مع المشكلات المتأتية من اختلال بيئي، وقد تقترح احياناً حلولاً ترقيعية بغرض “التَّهدئة”، لكنها دوماً تحيط ذلك التَّفاعل باجراءات استيعابية تستدعي المزيد من “الخنق والتضييق” (Henry, 2015)2.
تقترح هذه الورقة قراءة تفاعلية ومداولة تحليلية في إطار سوسيولوجيا المشكلات الاجتماعية لمشكلة التّنازع على تأطير “السرديات البيئية” بين المجتمعات المحلية المتضررة والبُنى السّلطوية المتعددة في العراق، سواءً كانت الحكومة المركزية أو الحكومات المحلية، أو جماعات المصالح داخل النظام المرتبطة بفاعلين إقليميين، أو شركات الصناعة النفطية التي تتسبب أنشطتها في تفاقم الأزمة البيئية. تبدو المشكلة البيئية والتنازع على السرديات وتأطيرها، نسيجاً شديد التداخل والتعقيد، نظراً للعوامل المتزامنة الاخرى، التي تمنح “النزاع” ابعاداً أكبر من مجرد “أزمة مظلومية اجتماعية” محلية تستدعي مساحات تفاوض مع السُلطات، أو تُلقي اللَّوم على ممارسات فاعلين إقليميين مثل دولتي المنبع ايران وتركيا. وبناءً على ذلك فإنّ الورقة تقترح تعريفاً معيارياً للمشكلة بوصفه مدخلا لسرد الوقائع الدَّالة على التأطير السلطوي والاستجابات المحلية المضادة له، عبر إلقاء الضوء على ثلاث تمظهرات رئيسة:
أوّلاً: أشكال التنازع بين الحيّز العام والبنى السلطوية.
ثانياً: تبادل أدوار الاتهام والمسؤولية، من الإطار المركزي العام إلى مساحات هامشية أكثر محلية.
ثالثاً: تحليل قدرات المجتمع المحلي على إنتاج تمثلات متمايزة للتعبئة البيئية لمواجهة ممارسات التقييد السلطوية.
وبناءً على ذلك، يمثل سَرْد الوقائع وتحليلها، الدَّالة والأداةَ الاساسية لفهم التأطير المنهجي لهذه الورقة.
مدخل لفهم وتوصيف الأزمة البيئية في العراق
- التَّطرف الحراري:
مقارنة بالارتفاع المتوقع لدرجة حرارة الكوكب المقدرة خلال العقدين المقبلين بـ (1.5 م°)، وفقاً للهيئة الحكومية الدَّولية المعنية بتغيّر المناخ IPCC، سترتفع حرارة العراق في الفترة المعيارية ذاتها، بمعدل درجتين مئويتين3. بيّنما يعتبر تقرير الأمم المتحدة لتوقعات البيئة العالمية (GEO-6)، إنَّ التَّغير الحراري العراقي سيكون أسرع بسبع مرات من متوسط المعدل العالمي4، نتيجة عوامل محلية متداخلة مع المُتغيرات المُناخية عالمياً. فيما تُشير التوقعات المبنية على النماذج المناخية الوطنية إلى زيادة حرارية مُضطردة تتراوح ما بين (0.9 م°) منذ 2007، وقد تصل إلى (3.5 م°) العام 21005، لذا باتت اغلب مناطق البلاد تتعرض لاسقاط شَّمسي حارق لأكثر من 8 اشهر سنوياً، وسط ارتفاع حراري غير معياري يتخطى عتبة (60 م°) صيفاً في المناطق الجنوبية، بفعل شدة التَّصحر والملوثات الغازية، والاطلاقات الدَّفيئة، وميثان الصِّناعة النِّفطية.
- الجفاف والتَّصحر:
صُنِّفَ العراق على أنه خامس دولة عالمياً تعاني من التأثيرات الشَّديدة والمباشرة لتبدل المناخ، مع انخفاضٍ متوقع للهاطلات السَّنوية بنسبة تسعة في المئة بحلول العام الحالي 2025 وما يليه، تزامناً مع زيادة مستويات تملح التُربة والمياه إلى 50 ضعفاً6، التي بدأت آثارها تتصاعد تدريجياً منذ منتصف القرن الماضي. بموازاة ذلك؛ يُدرج مؤشر نوتردام العالمي للتكيف (2023-ND-Gain)، العراق كأكثر منطقة تعاني ضعفاً وهشاشة بيئية في المرتبة 120 من أصل 187 دولة7، متموضعاً في قلب التأثيرات العنيفة للتطرف المناخي والنُدّرة المُطلقة للمياه السَّطحية والجوفية، الافراط الحراري الذي يتسبب بخسارة نحو 14.7٪ من مخزونات البلاد المائية نتيجة التبخر، الجَّفاف والتَّصحر المتزامن مع قلة الأمطار واشتداد حِدة العواصف الغبارية (SDS)، التي باتت تمتد الى 220 يوماً في السَّنة، حيث قُدّرت معدلات تركيز الغبار المُتساقط بنحو 80 ملم/ م2/شهر، بينما معدل تساقط الأمطار صار اقل بكثير من الغبار، ما قلَّص المساحات الصَّالحة للزراعة الى ما دون 13.5 مليون دونم8، قُبالة توسع الأراضي المتصحرة الى نحو 71% من مساحة البلاد9.
- نُدّرة المياه:
التَّدفقات الاقليمية المُغذية لنهري العراق التاريخيين، دجلة والفرات، تناقصت الى أقل من عشرة أضعاف في مئة عام، حتَّى باتت البيئة الوطنية على وشك الانهيار، فبعد أن سُجل في العام 1920 تدفقاً بـ 1350 م³/ ثانية، بات اقل من 150 م³/ ثانية في العام 2025، لاسيما منذ بدء دولتي المنبع، تركيا وإيران، باحتكار المصادر الهيدرولوجية ما بعد 2003. اذْ خسر العراق دخلاً مائياً وفيراً مقدراً بـ(93.51 مليار م³ /سنة)، انخفض في سنين قلائل الى العتبة الحمراء للفقر المائي بـ(26.07 مليار م³ /سنة)، مع أدنى خزين طوارئ في تاريخه بأقل من 10 مليار م³ حالياً10.
التَّناقص المتسارع في الأصول المائية، وضع العراق في المرتبة 39 كبلد مُجهد مائياً (Water Stress Index)، عند مستويات النُّدرة الخطيرة بـ(3.7) نقطة من اجمالي نقاط المؤشر البالغة خمس نقاط. بينما في 2040، فإن النُّدرة ستصل الى (4.6)11، ما يعني جفافاً تاماً وشمساً مُحرقة وبيئة سامة، وتصحراً ينهش مساحات واسعة من أراضيه (100 الف دونم سنوياً)12، وتقلصاً مريعاً لاقتصاد المجتمعات الرِّيفية لثلثي السُّكان (29.7%)، الذي كان يُسهم بنحو 20٪ من سوق العمل، و3٪ من الناتج المحلي الإجمالي (GDP). مع إلغاء المواسم الزراعية عاماً تلو آخر، وتقليص أراضي الفلاحة الى مليون ونصف المليون دونم فقط، فإن المجتمعات الزراعية المُنتجة باتت مهددة بالفناء والنزوح، وتفكك النَّسيج الاجتماعي، وتدمير أنماط اقتصادية كلاسيكية مرتبطة ببنية مجتمعات تقليدية، او حتَّى جديدة ناشئة على طول شريطي نهري دجلة والفرات كمناطق نشاط اقتصادي مديني/ ريفي في ظل النمو السُّكاني (46 مليون نسمة)13، والزِّيادة الحاصلة في الداخلين الى سوق العمل، ما يعني تراجعاً زراعياً وتحطماً لسلاسل الغذاء، وتزايداً ملحوظاً لأنشطة حكومية وبشرية ضارة بهدف تقليل آثار الانقلاب المُناخي والتدهور البيئي الناتج عن توسعة الصناعة الهيدروكربونية.
- اقتصاد ريعي كثيف الكربون:
رغم مؤشرات التَّنمية المُتراجعة، واصلت الحكومة سعيها لزيادة الإنتاج كثيف الكربون لتمويل انشطة الاقتصاد السياسي للبلاد، مستهدفة زيادة مُخططة لإنتاج 8 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، وهو ما يتعارض ويقوض السَّردية الحكومية البيئية المزعومة، ويُفاقم من أزمة الانبعاثات الكربونية، وسط تراجع الغطاء الأخضر اللازم لـ”حبس الكربون” طبيعياً. تعبّر خطط توسّع العراق في إنتاج المزيد من المستخرجات الهيدروكربونية عن تردُّد هياكله الحكومية في تنفيذ تدابير فعّالة ضمن [سياسات المناخ المتعلقة بجانب العرض – Supply-side Climate Policies]، استجابة لمخاوف ارتباط خفض الإنتاج بتناقص المدخول الوطني (GDP)14.
يعدّ الاقتصاد الرَّيعي النفطي، وفقاً لسرْدية البُنى السلطوية، الأداة الحيوية لبقاء النظام السِّياسي، ومنع المزيد من الاضطرابات الداخلية التي يُحفزها سياقٌ يعتمل فيه الفساد والمحسوبية السِّياسية والفقر والبطالة. وبالرغم من الآثار المُدمرة لبيئاته الوطنية شديدة الخصوصية والتَّنوع، يُعزز العراق سرْديته على انه أشد المعارضين من بين منتجي النفط الدَّوليين لمقترحات “خفض أو التخلص التدريجي” من الوقود الأحفوري الذي طرحته الاتفاقية النهائية لمؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ بدءاً من (COP 28)15، أو حتَّى القبول بآليات خفض الانبعاثات عبر توسعة استخدام “الوقود الاخضر”16.
يُصنف العراق كثاني او ثالث أكبر دولة في العالم من حيث حرق الغاز توازياً مع روسيا وإيران، بما يعادل 17.7 مليار متر مكعب من الغاز في العام 202317، وزاد الى 18 مليار متر مكعب في العام 202418، بما يعادل حوالي 300,000 برميل من النفط يومياً19، مُقترناً بأعلى مستوى من انبعاثات كربونية ومشاكل جودة هواء خطيرة، بما جعل العراق مسؤولاً لوحده عن حوالي 13% من كمية الغاز المحروق عالمياً20، مُشكلاً انبعاثات غازية جوَّالة تُهدد البيئة الوطنية والاقليمية، مع مؤشرات مؤكدة بتدهور واضح في الصحة العامة للرأس المال البشري خصوصاً في البصرة وعموم جنوب البلاد21. بالمقابل، تخلو السَّردية الحكومية المُعدة للتداول المحلي أو لصناع القرار الدوليين في غالبيّتها، من أي اعتراف بملوثات الاستخراج النفطي ومحروقات الغاز المهدورة، فيما يُمنع على المجال العام المحلي تداول اية معلومات أو انتاج سرْدية مُضادة عن آثار التَّوسع النفطي والكربوني.
التنازع على “الأزمة البيئية” بين الحيّز العام والبُنى السُلطوية
لم تتوافق الهياكل الحكومية المتعددة المعنية بالتَّعامل مع “الأزمة البيئية”، الى تعريفٍ مُجملٍ أو الى اعترافٍ كُلي. إذْ ما زالت الوثائق الوطنية على قلتها، تتجاهل محفزات التَّدهور البيئي المحلي، قافزةً الى ربطها مباشرةً بالمُتغير المناخي العالمي. فالسَّردية الرَّسمية المُجزَّءة تؤشِّر على فَشَل المُقاربة الحكومية التي تتعمد إنتاج معرفة مناخية تعمل باصرار على تحييد المجال العمومي المُتضرر في نقاش مشكلات ندرة الموارد الهيدرولوجية، او التَّوسع المؤذي للصناعة الهيدروكربونية، بما في ذلك تدمير الموائل التاريخية التي يصعب تعويضها، مثل الاهوار والمناطق الرَّطبة المسجلة على لائحة يونسكو للتراث العالمي. في سياقات بيئية مُسيَّسة تتقصى السُلطة فيها التخفيف من اعباء تحملها للمسؤولية، بالميّل الى شراكة شكلية محدودة مع عدد صغير ومقرَّب من المنظمات الاهلية غير الحكومية على انها معارضة مُطيعة (Dutiful dissent)22، التي لا تشكك بالنِّظام القائم، ولكنها تعتزم الدفع من أجل التغيير عبر الطابع التعاوني/ المطيع. مع ذلك، فإنَّ هذه “الشَّراكة” لم تُنتج يوماً تعريفاً أو مُسمىً للأزمة، او اطاراً مقبولاً لحلول أو تدابير عملية.
تتبع البُنيتان السِّياسية والبيروقراطية، دينامية مُنحازة الى “جماعات المصالح” داخل النظام، عبر التَّجاهل الحكومي للاعتراف بكُلية الأزمة23. إذْ غالباً ما تعتبر السُلطة، المحاولات العمومية للتعبير عن الأزمة وتشخيصها على انها “تأثيرات خطابية بارعة”، لاسيما ما يتعلق بالضَّرر الكارثي للصناعة البترولية والتلوث الكربوني، متعمدةً تناسي او حجب “الحقائق المادية وثقل المعاناة” (Neveu, 2017)، ما يُعرقل على نحوٍ دائمٍ وبنيوي وضع “تعريف” عملي مُحدد تُبنى على اساسه “اجندة العمل البيئي”.
الحجب والتَّناسي لا يقتصر فقط على الترويج لـ”وهم الوفرة” و”قدّرة التَّجدد” مع توسعة خطاب الإنكار (Deniability)، إنما يذهب باتجاه عرقلة إنتاج معرفة مناخية موجهة أو مُستنفرة لصالح المجتمعات المحلية المتضررة، حيث تتشكل السَّردية الاكبر للنظام، والتي يُمكن اعتبارها “العقيدة البيئية المُضلِّلة”24، التي يُمكن تعريفها بـ”السَّير باتجاه الاعتراف بالأزمة المناخية كظاهرة مؤثرة عالمياً، مع إنكار المُسببات البيئية المحلية”. يُمثل هذا التَّعريف الجَّانب المُظلم من “المعرفة المناخية” المُنتجة حكومياً، التي تنشط في مسار تضليل المجال الوطني والانطقة الدولية المعنية بتغير المناخ على حدٍ سواء. إذْ إنَّ السَّردية والسِّياسات البيئية المقترحة من جانب الهياكل الحكومية العراقية والمُقدمة الى منظومة التفكير الدولية بشأن التَّغير المناخي، قائمة على تصورات بيروقراطية فارغة لا صلة لها بـ”حِدَّة الأثر البيئي”25 المتسارع، وغالباً ما تندرج ضمن ملء تعهدات العراق بتقديم خطط وبرامج، فقط من اجل الافلات من اللَّوم الدولي على بطء إجراءات البلاد للحد من التدهور.
تعهدات العراق البيئية البيروقراطية في هذا المسار، نابعة من (التَّحفيز الدولي)، لا من تصورات وطنية قادرة على فهم المحنة البيئية التي تسقط فيها البلاد بوتيرة أسرع من المعالجات البيروقراطية التي تتأثر بالاضطراب السِّياسي والأمني، ما يجعل القضايا البيئية تتراجع الى الخلف او تتوقف.
كنتيجة للتحفيز الدولي ايضاً؛ عمل العراق على إنشاء كيانات ووحدات وطنية شكلية وهشة، استجابة لخطط تسهيل تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. آخر مرة أنتج فيها العراق استراتيجيتهُ الوطنية لحماية البيئة كانت في 2013، بالتعاون مع UNDP التي كان من المفترض تنفيذها بحلول 2017، لكنها أُهملت لنحو عقدٍ تقريباً، ليتم تحفيز المبادرة مجدداً بفعل أممي، وانتاج استراتيجية خُمسية جديدة (2023 – 2028). لكن؛ لم يؤشر على وجود تمويل حكومي واضح لتنفيذها26. وبالنَّتيجة؛ السَّرديات الحكومية تُنتج بتحفيزٍ دولي بطريقة اسقاطية (Top-Down) دون اطار للتنفيذ زمني او الزامي او عقوباتي، مع عزلٍ للمُتضرر المحلي سواء من مرحلة صياغة الاجندة أو السَّردية، او حين تكون الحلول او سياسات التخفيف مُضرة اكثر من منفعتها للمحليين.
في إطار هذه الورقة التي تقترح مُداولة تحليلية في إطار سوسيولوجيا المُشكلات الاجتماعية عن؛ صراع “السَّرديات البيئية” بين المجتمعات المحلية المتضررة والمستويات السُلطوية في العراق؛ يُمكن اقتراح تعريف معياري للمشكلة على إنها:
أزمة اجتماعية ذات طابع عمومي تُنتج إجهاداً اقتصادياً وتدميراً للموائل التاريخية وتمثلاتً عُنفية، نظراً لارتفاع مستويات الهشاشة العامة، وتفككاً للمجتمعات المُستقرة، وتنافساً مضطرداً على الخدمات والفرص، تتمظهر باشكالٍ مختلفة على صلة بالمُتغيرات البيئية الوطنية عبر تداخلٍ معقدٍ ومتزامن لفواعل الإفراط الحراري، نُدّرة المياه، وتوسع الصناعة النفطية واقتصاد الكربون، بظل عجز الاستجابة الحكومية مع غياب أدوات التَّفكير والتخطيط المُسبق لإدارة المخاطر، وتعسّر تمويل خطط التَّكيّف الوطنية.
“المجال العام” يؤسس مظلوميته “البيئية”
فرضت المُشكلة نفسها، لاسيما ما بعد 2003، لحظة انهيار نظام وصعود آخر بديل بقوة احتلال اجنبي، كوقائع يومية حياتية وفاعل مؤثر لا يُمكن تجاهله، في ظل اشتداد الحدَّة على السُّكان المحليين، والتأثير المُباشر على احتياجاتهم المعيشية، او الدَّورات الاقتصادية التي ينخرطون بها، أو حتَّى نوعية الامراض المُستجدة التي باتوا يُصابون بها، ما فرض تبدلاً في انماط التَّفكير الاجتماعي والعلاقة مع السُلطات في وقتٍ مبكرٍ من نشوء النظام السِّياسي الجديد.
تجلَّت المظلومية الاجتماعية العامة، في اول تمثلاتها المطلبية في العام 2010، بنقدٍ احتجاجي واسع في المحافظات الجنوبية، لاسيما مدينة البَصْرة، ازاء فشل جهاز الحكم في تأمين الحد الأدنى من التَّغذية الكهربائية لمواجهة التَّطرف الحراري خلال فصل الصَّيف، ووجهت بقمع سُلطوي عنيف ادى الى سقوط قتلى وجرحى. صنعت اللَّحظة الاحتجاجية المُبكرة تلك التي اضحت تقليداً موسمياً، الملامح الاولى لتشكل سَّردية المجال العام العراقي ازاء المشكلات البيئية، بظهور مطلبية شعبية (Claims Makers) غير مُنظمة، ظلَّت تنمو وتتشكل ببطء مع ترابط فواعل أخرى للأزمة البيئية، حتَّى باتت أزمة مُركبة مُتعددة الابعاد، بدءاً من نُدْرَة المياه، اشتداد وطول فترات الجَّفاف، ارتفاع وتيرة التَّعرض سنوياً الى عواصف تُرابية وغُبارية، فضلاً عن حدوث هاطلات مَطرية قصيرة ومُدمرة غير متوقعة خارج المواسم الاصلية، وصولاً الى تنامي الاثر الصِّحي السِّلبي للنشاط الصناعي الهيدروكربوني.
الفواعل هذه جميعاً، شَكَّلت الخطاب العام لمفهوم “الأزمة البيئية” من طرف “المجال العام” والسُّكان المحليين الذين انخرطوا بشكلٍ واضحٍ وفاعلٍ في احتجاجات بيئية، موسمية ومناطقية وقطّاعية طيلة العقدين الاخيرين، للتعبير عن شعورهم العميق بالمظلومية، ومدى تأثيرها على انماط معايشهم المتباينة. بالتالي؛ مَثَّلت الصِّياغة الاوضح للمطلبية أو المظلومية (Claiming)، باتجاه تحميل مسؤولية فشل معالجة المُشكلة للبيروقراطية السُلطوية، سواء الحكومات المحلية في المحافظات، او الاتحادية [المركزية] المسؤولة عن تعيين السِّياسات العامة واجندتها واقتراح سُبل تمويلها.
القوة المطلبية العامة (Mass Society) غير المُنظمة التي عبَّرت عن نفسها على مدى سنوات طويلة بوصفها حراكاً جماهيرياً واسعاً (Macro level)، لاسيما نموذج انتفاضة البَصْرة البيئية 201827، التي كادت تُسقط النظام السِّياسي برمتهِ، لكنها نجحت ايضاً بازاحة (حزب الدَّعوة الاسلامية) عن استملاكه العُرفي لرئاسة الحكومة المركزية منذ العام 2005؛ وجذبت الانتباه السُلطوي والدَّولي بقوة الى مشكلة بيئية تهدد حياة ملايين من السُكان المحرومين28، أثمرت عن نشاط أكثر تنظيماً ومحدودية تبنته تمثلات اصغر (Micro level)، سواءً منتجي المعرفة من صحافيين وباحثين مستقلين (نموذج فريق تقصي الحقائق)29، نشطاء افراد ينتمون الى المجتمعات المتضررة نفسها (نموذج المدافعة لسُكان هور الحويزة)، أو (Meso level) من جماعات العمل الأهلي المُنظم – المنظمات غير الحكومية، المجتمعات الرِّيفية والزِّراعية القبلية والعشائرية التي قامت بتفويض ممثلين عنها، غالباً رجال دين (نموذج الاحتجاجات في مناطق شمال البَصْرة)، او بناء تحالفات عابرة للحدود (نموذج منظمة حُماة دجلة). هذه المستويات الثَّلاث، منحت المطلبية العامة “شرعية” ومرونة اكبر لمواجهة السَّردية السُلطوية، وفسحت المجال امام بروز “رواد قضايا”، يعملون على توصيف/ تسمية الأزمة ومُسبباتها، بوصفها كُتلة واحدة من المؤثرات تؤشر على المحنة الوطنية، مع تنوعٍ في المُسميات الدَّارجة أو المباشرة. في حالات نادرة، تحوَّل رواد القضية الافراد الى “مفاوضين”، يديرون دفة الصراع مع السُلطات.
السرْدية المُضادة: سياسة التَّناقض والانكار
بالمقابل؛ بَرَزت دينامية حكومية قائمة على “التَّناقض (Contradiction) و”الإنكار (Deniability)”، تَشْتَغل بموجب اعتراف حكومي مُجزَّء (Fragmented)، وانتقائي (Selective) للمشكلة، عبر تشطيرها الى “مُشكلات” لا تمت بصلةٍ لبعضها البَّعض، وتفتيت البُنية الكُلية للأزمة الى مستويات هامشية أو مناطقية من خلال عزل المؤثرات، وفصل المُطلبية العامة بُغية اضعافها وتشتيتها. علاوةً على ذلك، تأطير “المُشكلة” (Problem Framing) سياسياً عبر إنتاج سرْدية سُلطوية تُسمي “الأزمة البيئية” الوطنية على أنها “أزمة سياقية”، تندرج ضمن أزمات البلاد التي يتم القفز عليها عبر دمجها بأزمات قائمة او تخليق أزمات جديدة، بما يُمكن اعتباره تزييفاً للسِّياسة العامة، عبر اقتراح حلول تُنتج مشكلات أكثر تعقيداً، أو مقايضة المشكلات القائمة بأخرى جديدة (Bacchi, 2009 & Neveu 2017)30، بما يجعل المطلبية العامة الاصلية تتهاوى وتتداعى بمرور الزَّمن.
مثالاً؛ في مجال الطاقة، حين تدَّعي الحكومة العراقية أنها تنتقل نحو طاقة أنظف، تَظِلُ غير راغبة الاعتراف بالأزمة المُناخية الوطنية، وتستمر في إنكار تأثير ملوثات الصناعة النفطية على البيئة المحلية. وفي الوقت نفسه تتلاعب بسرْدية نقص المياه، مرةً بتوظيف الازمة المناخية العالمية كمُسبب، وفي كثيرٍ من الأحيان تتجه نحو تحميل السُّكان الحضريين والمجتمعات الزِّراعية مسؤولية الهدر والاستهلاك غير الرَّشيد، واحياناً بالتَّصويب خارجاً نحو دولتي المنبع، غالباً ضد تركيا ونادراً باتجاه ايران، في محاولة لترحيل الأزمة من المنطقة الوطنية الى المستوى الإقليمي، حين يتماشى ذلك مع المنافع السِّياسية لـ”جماعات المصالح” داخل النِّظام.
بالتالي؛ تسمية الأزمة والاعتراف بها، تمايز بتحوله الى صراعٍ دائريٍ لانهائي ما بيّن المجال العام بتمثلاته المُختلفة، وبيّن المستويات السُلطوية المتباينة (السِّياسية والبيروقراطية)، ما جعله حيوياً، نجح بتصعيد المشكلة الى المستوى العام (Kingdon, 2010)31، على الرغم من نجاح السُلطة الى حدٍ كبير في تجزئة المظلومية وبعثرتها، مما ينفي وجود “نهج الفاعل العقلاني” في عملية انتاج السِّياسات، طالما ان للسُلطة “تفضيلات مُتغيرة” (Hoefer, 2022)32.
الاتهام والمسؤولية: من الإطار المركزي الى النطاق الأقرب
إذا ما فُسْر، "الاحتجاج" على أنه تجسيدٌ حي وفاعل للمُطالبات العامة، وصيغة جماعية مؤثرة للتعبير عن المظلومية والرَّفض، اضافة الى كونه - بالضَّرورة - يجب ان يكون ضدِّياً باتجاه عامل حاسم لديه سُلطة القرار والحُكم، بما يؤكد تحميله الاتهام (Blaming)، او العجز عن تحمل المسؤولية، أو فشل سياساته المُتصورة للتعامل مع الأزمة، فأن الحيز العام العراقي، نَشِطَ منذ 15 عاماً ما يتعلق بالمُشكلة البيئية، في ادارة تلك المُطالبات، عبر تَسمية الطَّرف المسؤول، والطَّرف المتضرر، مقترحاً نفسه كـ"ضحية" مقابل حُزمة "اشرار".
“مظلومية” الضحية والشِّرير
بمراقبة وتحليل زَمَنية الاحتجاج وتكراره، فإنَّ الاحتجاجات الرَّئيسة، غالباً ما انطلقت من الشعور العام بتفاقم المظلومية، لاسيما تجاه قضايا الخدمات الاساسية، نقص الكهرباء ونُدْرَة ونقص وتملح المياه المرتبط بالتَّطرف المناخي وسياسات دولتي المنبع (تركيا وايران)، والتي مثَّلتها احتجاجات البصرة (2010، 2015، الانتفاضة البيئية 2018)، والاخيرة مهدت وحفزت اندلاع انتفاضة العامة على المستوى الوطني (تشرين/ اكتوبر 2019)، التي انزاحت من تمثيل المطالبة بالخدمات، الى التمثيل الواسع بضرورة تغيير النظام السِّياسي.
في هذا السياق من فهم الأزمة سوسيولوجياً، فإنَّ دينامية الاتهام بالمسؤولية، موجهة على نحو واضحٍ ومركزي نحو البيروقراطية السُلطوية، سواء الحكومات المحلية في المحافظات، او الحكومة الاتحادية [المركزية]، او هياكل الدَّولة التنفيذية، مع غياب او فتور في تحميل النَّدوة التشريعية [مجلس النواب] الاخفاق المُزمن في سن قوانين الحد من التدهور البيئي، او اتخاذ اجراءات عملية فعالة لحفظ الحقوق المائية ضد السِّياسات الاقليمية.
دينامية الاتهام من الطَّرف المتضرر، المجال العام، تتخطى احياناً المساحة القُطرية الى مستوى جيوسياسي اوسع، بتوجيه اللَّوم والمسؤولية الى دولتي المنبع (ايران وتركيا)، لامعانهما في سياسة “التَّجريد المائي” و”تعطيش” العراقيين. الغضب الشَّعبي اتضح بتكرار هجمات المُحتجين على الممثليات الإيرانية في البصرة والنجف، واحياناً في بغداد، مُحملين طهران مسؤولية نُدْرَة ونقص المياه، بيّنما مثلاً، تخفت تلك الهجمات على الممثليات التركية، لجهة حالة الاستقطاب والانقسام المجتمعي تجاه المؤثرين الإقليميين. بيّنما المجتمع العام يوجه اللَّوم الى إيران؛ تُنتج البُنى السُلطوية وجماعاتها الحزبية والمُسلحة القريبة من طهران، سرْدية الاتهام الى انقرة.
في سَّردية نُدرة المياه، “البطل” غائب، فيما تُستحضر صورة “الشِّرير” بقوة، سواءً بوصفه “التَّغير المُناخي” أو ممارسات دولتي المنبع، او السُّكان الذين يهدرون الثَّروة دون مسؤولية. لا أحد في خضم هذه السَّردية يُقدم نفسه كـ”بطل”، كلاً من السُلطة والمجتمعات المُتضررة يُقدمان نفسيّهما كـ”ضحية”.
مقايضة الضَّرر باقتصاديات السوق
بموازاة ذلك، أدت الأزمة البيئية المُستمرة إلى اتباع نهج إشكالي من قبل النظام وبُناه السُلطوية تجاه ضبط التمردات البيئية، عبر إطلاق مقاربة تمييزية حادّة قائمة على “المفاضلة والمقايضة”؛ ما بين عدم قُدْرَة العراق على ضبط حراك المجتمعات المحلية المتضررة من قسوة المُتغيّر البيئي33، وما بيّن التَّصورات المتخوفة من تحول العراق الى منطقة طاردة مناخياً في المستقبل المنظور. مقاربة السُلطة هذه تتعمد التَّلاعب بصورة “البَطل” و”الشرير” و”الضحية” في الآن نفسه، عبر الترويج لعقيدتها البيئية المُضللة، التي تهدف الى منح الضمانة الاكيدة للعملاء الدوليين، بأن العراق سوف يستمر كنقطة إنتاج أحفوري مُتصاعدة (البَطل المُنسجم مع اقتصاديات السوق)، بغض النَّظر عن المديات المُخيفة لتسارع الانهيار البيئي (الضحية التي تقدم نفسها قرباناً لمنفعة الآخرين)، بينما على الصَّعيد الدَّاخلي، تتحول السُلطة الى “شرير”، كجزء أساسي من عقيدة التَّوسع النفطي الحكومية، بقمع المجال الوطني بعنف، بضمنها المعارضة البيئية المُقيّدة او المُطيعة، من اجل الحدِّ من قدرات بناء شبكات او سرديات (Narrative & Issues Networks) تتمأسس حول رفض الاستخراج والاقتصاد الهيدروكربوني.
العامل الرَّئيس في “عدم اعتراف” أو استمرار السُلطة في “انكار” تأثير الملوثات النفطية والصناعية على الصحة العامة، يرجع الى انها لا تريد جعلها “مشكلة” تستدعي صياغة سياسة عامة ومن ثم الذَّهاب الى حلول، التي بدورها تستدعي مناقشة مستوى الخطورة.
المناخ القمعي المتحفز ضد أي حراك بيئي يستهدف الصناعة الاستخراجية، أثَّر على استدامة التحالفات أو بناء شبكات عمومية يُنتجها الفضاء العام أو المنظمات غير الحكومية، لجهة ضعف ديناميات التَّشبيك البيئي المحلي في النموذج العراقي، كسمةٍ رائجة ضمن أنماط التفكير في المنظمات العمومية. ومن طرف آخر، سرعة تفكك التحالفات البيئية، إذ إنها لا تتمتع بالصَّبر المؤسسي المؤدي الى استدامة التجربة ومراكمة أثر العمل الجماعي، حيث سُرعان ما تتبدل الأدوار والعناوين، كواحدة من الاستجابات المرنة لمناورة ديناميات “القمع البيئي” من جهة، وفشل التَّشبيك العمومي من جهة أخرى34.
“منافسة الضحايا”: التَّنازع على الاعتراف والبطولة
يواجه المجتمع العام في بعض مناطق البلاد، لاسيما الجنوبية، في البصرة ومناطق الاهوار (هور الحويزة في ميسان)، نشاطاً تدميرياً معادياً للبيئة، بسبب التجفيف المُستمر والصَّامت مقابل توسعة النَّشاط النفطي، دون الأخذ بنظر الاعتبار ان تلك الاهوار، باتت مهددة بشطبها من لائحة يونسكو للتراث العالمي، بعدما فقدت خصوصيتها الايكولوجية والبيئية. يتلاعب النظام في سَّردية الاهوار، حين ادرجها في اجندة السِّياسة الخارجية العامة في 2016، حينما كانت مُربحة سياسياً له. لكنه حالياً يُسدل ستاراً من الغموض والتَّعتيم على ممارسات التَّخريب والتَّجفيف، وتجويع وتعطيش وحصار السُّكان المُتبقين بما يُشبه “الابادة البيئية”35، لارغامهم على الهجرة للاستفراد بالمنطقة نفطياً، بعدما اتضح انه من المُربح محوها ضمن الاقتصاد السِّياسي للنظام. بالمُقابل، تنشط سرْدية مُضادة شُجاعة مقاومة من طرف الأصليين، الذين كرسوا أنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي والوصول الى منافذ صحافية دولية ومراكز أبحاث لفضح ممارسات النِّظام، ومحاولة بناء (Advocacy Social Network).
سرْدية الاهواريون اصطدمت بازدواجية سرْدية النِّظام التي تُبرر الممارسة الابادية ضدهم، بدينامية “منافسة الضحايا”، بمعنى انها تستثمر الهور لاستخراج المزيد من النفط، من اجل تعظيم الموارد العامة الموجهة الى خدمة النطاق الوطني الاوسع من المستفيدين، قبالة التَّضحية بالاعداد القليلة المتبقية من الاهواريين الذين يرفضون مصادرة اراضيهم التاريخية، واقتلاع جذورهم ومحو هويتهم الثَّقافية. يتبين وفقاً لهذا النموذج، حالة التَّنازع المُشتدة على حيازة الاعتراف والبطولة (Narrative Policy Framework) ما بين سرْدية مُهيمنة واخرى مُضادة مُقاومة (Shanahan & McBeth 2014)36.
من النطاق الابعد الى الاقرب
ومع العجز الواضح في اثبات ادانة الحكومة الاتحادية، لجهة نجاح الاخيرة في التملص من المسؤولية، ابتكرت مجتمعات الأهواريين، مستوى جديدة من السَّردية الاضيق نطاقاً عبر تحميل شركات النفط الأجنبية (IOCs) مسؤولية التدهور البيئي في المنطقة. بالتالي، المطالبات الاهلية اوجدت لها هدفاً مباشراً وقريباً يعمل وينشط داخل بيئات تلك المجتمعات، بدلاً من توجيه اللَّوم الى الحكومة الاتحادية البعيدة في العاصمة، والتي لم تنجح وسائل الضغط المحلية في اخضاعها للمحاسبة او المساءلة. لذا تم تضييق نطاق الاتهام، من الابعد (Macro)، المتمثل بالمسؤولية السياسية للحكومة، الى النطاق الاقرب (Micro)، المتمثل بالشركات الاستخراجية، وهو تكتيك أكثر نجاحاً، عبر تفعيل المفاوضة الجماعية (Collective Bargaining)37، بين سُكان الموائل والمناطق المتضررة والشركات النفطية المستفيدة. لكن لا يعني ذلك، أن المظلومية تم الاعتراف بها، وإنَّ المطالبات باتت أقرب الى التَّحقق.
ينطوي إنتاج المعرفة المناخية المُستقلة في الحقل العراقي، بما يعني “التَّرويج” للأزمة وصولاً الى السُّكان والمجموعات المُستهدفة، على مخاطر التقييد والملاحقة القضائية والجَّسدية والاختطاف والترهيب38 لمن يُمكن وصفهم (Primary Definer)39. مثالاً تعرض الباحث الأكاديمي جاسم الاسدي الى اختطاف وتعذيب لـ15 يوماً في شباط/ فبراير 2023، بسبب أنشطته البيئية التي تتقاطع مع الاستثمارات النفطية والصناعية المُضرة ببيئة الأهوار، وجهوده في إنتاج معرفة مناخية متخصصة موجهة الى صُناع القرار المحليين، وأصحاب المصلحة الدوليين. أو نموذج مُنتج المعرفة الميدانية، لناشطين بيئيين وملاحقتهم قضائياً من قبل الهيئات الحكومية مثل وزارة الموارد المائية40. أو نموذج المُطالب المحلي بانصاف المظلومية، مثالاً، اعتقال ناشطين من قبل مديرية جرائم البَصْرة لمطالبتهم بمياه صالحة للاستخدام البشري واليومي41.
التَّمثُلات المتمايزة للتعبئة البيئية: مناورات كسر التَّقييد
بما إنَّ الحكومة وبُنى النظام السُلطوية، لا تملك المزيد من المخرجات البيئية حتَّى تُقدمها كحلول الى المُتضرر العام، أو حتَّى الى المجتمع الدَّولي، استناداً الى ما قدَّمه العراق في مؤتمر باريس للمناخ ومؤتمرات الاطراف (COP) اللَّاحقة، من مُخرجات قائمة على سرْدية بيئية مُضللة؛ فانها باتت تدفع بفرض المزيد من الضغط على المجتمعات المحلية لـ[التخفيف – Mitigation] من الازمة، وهو ما تعتقد الحكومة أنه ينسجم مع مبدأ [التَّكيف – Adaptation]، دون التَّوصل الى فهم او مراعاة حقيقية للمظلومية، أو حتَّى النَّظر بجدية الى المطالبات العامة، ما يعني إن البيروقراطية الحكومية ومستوياتها السِّياسية، اتخذت قرارها بعدم التعامل مع الأزمة على انها حُزمة مطالب ومظلومية آخذة بالاتساع والنمو، بل تعاملها على انها “تهديدات أمنية”، او ازمة سياقية مؤقتة، يُمكن ان تحلها عوامل وفواعل مستقبلاً غير متاحة حاضراً، كواحدة من ديناميات التَّفكير الغيّبي، الذي تبرع فيه مؤسسة الحكم العراقية، بدمج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للبلاد، بالنَّزعة الدينية التي تغلب على تصرفات وسياسات السُلطة، في محاولة لتشتيت تلك المطالبات، بجعلها نوعاً من التحدي الالهي القاهر، الذي يجب إن تتقبله المجتمعات المُتضررة بمزيد من الرضوخ للسِّياسات الحكومية.
السُلطوية السَّامة تُشتت المجال العام
المُقاربة الوطنية حكومياً فَشَلت في إنتاج معرفة مناخية أو حلول معنية بالمطالب والتعبير عن المظلومية مع استمرارها بتحييد المجال العام، وتكسير ادواته، عبر سلسلة من فعاليات الامنية، التي تشمل الرَّقابة والكتم42، وتوسعة “المساحات التدخلية” لفرض “القمع البيئي”، فضلاً عن التعديات الجَّسدية العنيفة، والتهديدات غير منظورة من طرف جماعات السِّلاح او البُنى الأمنية المحوكمة ، ضد النشطاء والباحثين ومنتجي المعرفة، فضلاً عن المجتمعات المُتضررة.
ونتيجةً لهذه الأطر السُلطوية السَّامة تجاه المجال العام ونشاطه البيئي، فأن دينامية المطالبة والتعبير عن المظلومية، تتعرض الى ضغوط مستمرة، وتخضع يوماً بعد آخر للمساومة، مثلاً في المناطق ذات النَّشاط النفطي، يتم مساومة السُّكان مقابل اسكاتهم: مزيد من الوظائف (اداة سابقة تم التَّخلي عنها بسبب عجز الاقتصاد الرَّيعي على تمويل الموازنة العامة والزبائنية المفتوحة)، عدم التَّعرض الى القمع الامني والتَّهجير (اداة حالية اكثر فعالية من الاستقطاب بالوظائف)، مقابل المزيد من التَّلوث وتدمير اقتصاد الموائل الزراعية والتاريخية.
بصورة أكثر عمومية، يمكن إدراج المطالبة والمظلومية، ضمن الإطار الواسع للتعبئة البيئية43، التي تتخذ اشكالاً متمايزة ومختلفة في العراق، سواءً على شكل مُنظم ومُرخص وهو الشكل الأول، وتمثلهُ المنظمات الأهلية غير الحكومية (NGOs)، هذه بدورها تنقسم الى منظمات خارج وداخل إطار السُلطة، أو منظمات تشبيك مكتبي غير ميدانية. الشكل الثاني؛ المجتمع الأهلي غير المُنظم (القبائل والعشائر والعصبيات المناطقية). والثالث؛ يمثله الفاعلون البيئيون الافراد.
وظائفياً، تعكس تلك الأشكال، مدى القدرة على التحشيد، أدوات المواجهة والتَّصعيد، المفاوضة والحوار مع المجتمعات المتضررة، الانخراط مع السُلطة وتبني سرْديتها البيئية، أي العمل من داخل أطر السُلطة لا من خارجها. بالمقابل تنشط حراكات بيئية جماعية أهلية غير مُنظمة تواجه سياسات الحكومة وتنتقدها بشدة. فضلاً عن ذلك، حركة النشطاء الافراد الذين يستعرضون المظلومية البيئية بداعي الاحساس بالمسؤولية تجاه مجتمعاتهم وأُسرهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
بالمُحصلة، تفرز تلك الأشكال ايضاً تداخلاً عضوياً واشتباكاً واضحاً ما بين مفهومي “المتعهدون – Cause entrepreneurs” و”المطالبون – Claims makers”، إذ يتبين بوضوح إن المنظمات الأهلية غير الحكومية (NGOs)، أقرب او تنشط في القضايا البيئية بصفتها (Cause entrepreneurs)، نظراً لطبيعتها المؤسسية والتنظيمية، بينما المجتمع الأهلي غير المُنظم (القبائل والعشائر والعصبيات المناطقية) والفاعلين البيئيين الافراد، يميلون أكثر لاعتبارهم (Claims makers). لكن، في أحداث عديدة، تتداخل وظيفية كلاً من المفهومين، بأن يتحول “المتعهدين” الى “مطالبين” أو العكس تماماً، خصوصاً حينما تتحول المطالبات البيئية الى نزاع طويل الأمد، وتستلزم جهود تحشيد وتفاوض مضنية، وصداماً مع سرْدية النظام وبُناه السُلطوية البيئية والامنية.
“انتقائية” المانح الدَّولي
من طرفٍ آخر، يُحَجِّم المانحون الدوليون من دعم من قبل المنظمات غير الحكومية (Cause entrepreneurs)، ما يتصل برفض او معارضة الوقود الاحفوري، أو حتى عقد انشطة توعوية، لسببين مرتبطين ببعضهما البعض، لجهة انه غير مُدرج على اجندة المانح الدولي، الذي لا يُفضل تمويل ودعم اي نشاط تصادمي على صلة مباشرة بالاقتصاد السَّياسي للدَّولة. بالتالي، تبرز سرْدية متأثرة باشتراطات خارجية وغير وطنية. لذا يُفرض على الفاعل البيئي المحلي اختيار فعاليات بيئية بعيداً عن قطاع الاستخراج.
ونظراً لتلك العوائق والمخاوف، فإن التعبئة البيئية المُنْتَجة من قبل منظمات غير حكومية باتت مُحَجَّمة ومُقَيّدة بالقمع الحكومي وحجب التمويل الدولي. لذا اتجه المجتمع الأهلي غير المُنظم، كأفراد مُستقلين ينشطون بيئياً، ويمارسون أدوارَ التعبئة، الى تنظيم حملات مناصرة بيئية او نشر وقائع التلوث الاستخراجي لإبلاغ الرأي العام، كواحدة من إفرازات “القمع البيئي”؛ وصمت المنظمات غير الحكومية. غالباً ما تستهدف تلك الحملات الفضاء العام الالكترونيز
التَّحشيد بالمناورة الرَّقمية
تؤشر الاستجابة الضعيفة لحملات المناصرة البيئية الفردية، والتي غالباً ما تكون الكترونية، على تهشم قُدّرة المجتمعات المحلية الحضرية على إحداث تغيير عبر الممارسات السِّلمية خارج قوة “التحشيد الجماعي”، قُبالة نجاح الفضاءات العشائرية التي تستطيع بقوة التضامن التلقائي بين افراد وعناصر القبيلة الواحدة، او التحالفات القبلية الناشئة في مناطق تتعرض لفواعل التدهور المُناخي والتردي البيئي، على تنظيم مُدافعات بيئية أكثر تحدياً وقوة، تُرغم احياناً السلطات على التفاوض، مثل نموذج الحراك المجتمعي – العشائري في هور الحويزة في محافظة ميسان، أو قضائي المْدَيْنة والصَّادق في محافظة البصرة.
في النموذج العراقي؛ يُمَكِّن التشبيك البَيْني القائم على الروابط القرابية التقليدية (القبلية/ العشائرية/المناطقية)، على إحداث تغيير أكثر قوة، ومدّعاة للاستجابة من قبل السُلطات. بمعنى إن المُجتمع الأهلي غير المُنظم، يملك أدوات تأثير اقوى من المجتمع المُنظم – المنظمات غير الحكومية. تلعب مستويات متعددة من المؤثرين داخل المُجتمع الأهلي غير المُنظم، على احداث تعبئة مؤثرة، مثل الوجهاء، رجال الدِّين، شيوخ العشائر، النشطاء المتعلمين المتحفزين للدفاع عن مصالح القبيلة/ المنطقة. بيّنما النُشطاء البيئيون الافراد غالباً ما يكونون مُجردين من قوة الدَّعم القرابي، لكنهم يعززون موقعيتهم (Positionality) بقوة المُحاججة، والسَّرد الوقائعي للتدهور البيئي والتلوث، وقدرتهم على الوصول الى اعداد اكبر من المتابعين المتضامنين، خارج الفضاء المكاني المحدود للمُشكلة، عبر تصعيدها الى المستوى الوطني، بما يُمهد الى اعتبارها سياسة عامة.
الهوامش والاحالات:
- Neveu, É. (2017). L’analyse des problèmes publics Un champ d’étude interdisciplinaire au cœur des enjeux sociaux présents. Idées économiques et sociales, 190(4), 6-19. https://doi.org/10.3917/idee.190.0006 ↩︎
- HENRY E., Amiante. Un scandale improbable : sociologie d’un problème public, Rennes, Presses universitaires de Rennes, 2007. https://books.openedition.org/pur/12719 ↩︎
- Climate crisis ‘unequivocally’ caused by human activities, says IPCC report, The Guardian, 25 August 2021. https://goo.su/D4bvv, and, Climate change widespread, rapid, and intensifying, IPCC, 9 August 2021. https://www.ipcc.ch/2021/08/09/ar6-wg1-20210809-pr/ ↩︎
- UNEP’s sixth Global Environment Outlook (GEO-6), UNEP, (2019). https://www.unep.org/resources/global-environment-outlook-6 ↩︎
- وثيقة المساهمات المحددة وطنياً للعراق بشأن تغير المناخ (NDC)، وثيقة حكومية صادرة عن وزارة البيئة بمساعدة برنامج الامم المتحدة الانمائي، 2022. ص6. ↩︎
- The Last Of The Marsh Arabs, Leon McCarron, Noema Magazine, 19 October 2021.
https://www.noemamag.com/the-last-of-the-marsh-arabs/ ↩︎ - مبادرة التكيف العالمي لجامعة نوتردام العالمية، 2023. https://gain-new.crc.nd.edu/country/iraq ↩︎
- الإحصاءات البيئية للعراق (المؤشرات الزراعية)، وزارة التخطيط – الجهاز المركزي للإحصاء، آب/ أغسطس 2022. https://goo.su/T4tkW ↩︎
- نسبة الأراضي المتصحرة والمهددة بالتصحر في العراق، مجلس النواب العراقي – دائرة البحوث، حزيران/ يونيو 2022. https://goo.su/DWJtmmk ↩︎
- العراق يواجه أدنى مستويات مخزون المياه في البلاد منذ 80 عاماً، فرانس 24، 25 آيار/ مايو 2025. https://goo.su/P0Y2exp ↩︎
- Ranking the World’s Most Water-Stressed Countries in 2040, World Resources Institute, 2025. https://www.wri.org/insights/ranking-worlds-most-water-stressed-countries-2040 ↩︎
- يقيس العراق مساحاته الزراعية على اساس (الدونم)، وهي اداة قياس عثمانية. تساوي في العراق 2500 متر مربع، أي أكبر مما يعادله في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن وهو 1000 متر مربع. ↩︎
- النتائج النهائية للتعداد العام: عدد سكان العراق 46 مليونا و118 ألف نسمة، PUKmedia، نشر في 24 شباط/ فبراير 2025. https://goo.su/NMzScS ↩︎
- التحول الأخضر في العراق: سياسة «التناقض والإنكار»، صفاء خلف، موقع جدلية، تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/eoI8yzl ↩︎
- مشاركة العراق في مؤتمرات الأطراف (COP): العقيدة البيئية المضلِّلة، صفاء خلف، مبادرة الاصلاح العربي، كانون الثاني/ يناير 2025. https://goo.su/A4F7Mg ↩︎
- العراق ينضم لدول نفطية معارضة لقواعد “الوقود الأخضر”، شفق نيوز، 14 آب/ أغسطس 2025. https://goo.su/xozzv ↩︎
- مجموعة البنك الدولي (2023)، تقرير تتبع حرق الغاز العالمي. https://goo.su/JJkQZR0 ↩︎
- حرق الغاز المصاحب في العراق، طارق زياد الجميلي، المنتدى العراقي للنخب والكفاءات، تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/9DUq9F ↩︎
- Iraq gas flaring clean-up essential for climate goals, Gas Outlook, June 2024. https://goo.su/FwwxnZ ↩︎
- مجموعة البنك الدولي (2025)، تقرير تتبع حرق الغاز العالمي. https://goo.su/6cM0R ↩︎
- توصل تحقيق لـ BBC الى إن حالات الاصابة بأنواع مختلفة من السرطان في البصرة، ارتفعت بنسبة عشرين في المئة اعلى من المعدلات الطبيعية بين عامي 2015 و2018 وفقا لتقرير مسرب لوزارة الصحة العراقية الذي ألقى باللائمة على تلوث الهواء. فيما أكدت وثيقة مسربة اخرى من دائرة صحة البصرة، إن معدل الاصابة بالسرطان اعلى بثلاث مرات من الأرقام الحكومية المعلنة. انظر: شركات نفط عملاقة تخفي كميات هائلة من الانبعاثات الغازية السامة، ايسمى ستالارد و أوين بينيل و جيس كيلي، بي بي سي نيوز، أيلول/ سبتمبر 2022. https://goo.su/MAqm ↩︎
- O’Brien, K., E. Selboe, and B. M. Hayward, “Exploring Youth Activism on Climate Change: Dutiful, Disruptive, and Dangerous Dissent”, Ecology and Society 23(3):42, 2018. ↩︎
- أي انها من المفترض ان تعترف بكل المسببات الوطنية التي تسهم على نحو فعال في تفاقم التدهور البيئي. ↩︎
- مشاركة العراق في مؤتمرات الأطراف (COP): العقيدة البيئية المضلِّلة، صفاء خلف، مبادرة الاصلاح العربي، 9 كانون الثاني/ يناير 2025. https://goo.su/A4F7Mg ↩︎
- تغيّر المُناخ وأزمة المياه في العراق: مؤشرات الهشاشة وحِدَّة الأثر البيئي، صفاء خلف، السفير العربي، 2 تشرين الاول/ اكتوبر 2022. https://goo.su/SJfgKZ9 ↩︎
- تحديث الاستراتيجية الوطنية لحماية بيئة العراق وخطة العمل التنفيذية، برنامج الامم المتحدة الانمائي، 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2022. https://goo.su/u8H1Lxz ↩︎
- انتفاضة البصرة تهزّ أركان العراق، صفاء خلف، اوريان 21، 10 أيلول/ سبتمبر 2018. https://goo.su/msus ↩︎
- ”البصرة عطشانة“ – تقاعس العراق عن مُعالجة أزمة المياه، هيومن رايتس ووتش، 22 تموز/ يوليو 2019. https://goo.su/wW7j1 ↩︎
- تقرير فريق تقصي الحقائق بشأن الوضع الإنساني في البصرة، المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي، 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. https://goo.su/6UQw2KW ↩︎
- Bacchi, Carol. 2009. Analysing policy: what’s the problem represented to be? Frenchs Forest, N.S.W.: Pearson Education. ↩︎
- Kingdon, J. (2010). Agendas, Alternatives and Public Policy, (2nd ed.). New York: Pearson. ↩︎
- Hoefer R. The Multiple Streams Framework: Understanding and Applying the Problems, Policies, and Politics Approach. J of Pol Practice & Research. 2022;3(1):1–5. doi: 10.1007/s42972-022-00049-2. Epub 2022 Feb 22. PMCID: PMC8861624. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8861624/ ↩︎
- Iraq. “Without Water, We Have No Life”, Safaa Khalaf, Orient xxi, 11 November 2021. https://goo.su/g3dJVB ↩︎
- التعبئة البيئية في العراق: المنظمات غير الحكومية والفاعلين المحليين في ظل تحديات التغيّر المناخي، صفاء خلف، مبادرة الإصلاح العربي، آيار/ مايو 2023. https://goo.su/Dhu9pVg ↩︎
- صفاء خلف، النفط يمحو هور الحويزة.. حين تدمر الشركات موقعاً مدرجاً على لائحة التراث العالمي، منظمة CCFD-Terre Solidaire الفرنسية، كانون الثاني/ يناير 2026. https://goo.su/hBXcg0 ↩︎
- Shanahan, Elizabeth A., Michael D. Jones, Mark K. McBeth, and Claudio M. Radaelli. “The narrative policy framework.” In Theories of the policy process, pp. 173-213. Routledge, 2018. ↩︎
- وفقاً لمفهوم بياتريس ويب، انظر:
Sidney Webb, Beatrice Webb, The Method of Collective Bargaining, The Economic Journal, Volume 6, Issue 21, 1 March 1896, Pages 1–29, https://doi.org/10.2307/2956764 ↩︎ - العراق: النشطاء البيئيون يتعرضون للتنكيل، هيومن رايتس ووتش، 23 شباط/ 2023. https://goo.su/2rAhfoN ↩︎
- Anstead, Nick and Chadwick, Andrew (2017) A primary definer online: the construction and propagation of a think tank’s authority on social media. LSE research online, Media, Culture & Society. http://eprints.lse.ac.uk/69628/ ↩︎
- وزارة الموارد المائية ترفع دعوة قضائية بحق الناشط البيئي رعد حبيب الأسدي بتهمة “رمي الغير بما يخدش شعوره”، صفحة هوانا عراقي على فيسبوك، 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2020. https://goo.su/HJzZg ↩︎
- اعتقال ناشط من قبل مديرية جرائم البصرة بسبب مطالبته بالماء، روج نيوز، 10 تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/Prpp4n ↩︎
- السلطة المضادة في العراق: تفكيك المجال العام وتكسير أدوات الحراك الاجتماعي، صفاء خلف، جدلية، نيسان/ ابريل 2025. https://goo.su/SyXYv ↩︎
- التعبئة البيئية في العراق: المنظمات غير الحكومية والفاعلين المحليين في ظل تحديات التغيّر المناخي، صفاء خلف، مبادرة الإصلاح العربي، 25 آيار/ مايو 2023. https://goo.su/Dhu9pVg ↩︎