تظاهرات البصرة: مقامرة بالدم على حكم العراق

صفاء خلف 

شكلت البصرة بارقة امل بأن يُغيّر النظام السياسي في العراق من اداءه ويشرع بجدية اكبر بعملية اصلاح ومغادرة عقلية المحاصصة والاستحواذ التي طغت عليه وتسببت بالمشكلات الكارثية المتفاقمة مع انسداد الافق منذ 2003، فجاءت “الانتفاضة” البصرة 2018 كمحرك غاضب الّهم بقية انحاء البلاد للتعبير عن رفض استمرار الفساد وتفكك النظام السياسي، لكن سُرعان ما استغل “النظام” الغضب الشعبي وحوّله الى “مقامرة” تخضع لفرضية الاستقطاب بين طهران وواشنطن وحلفاؤهما، وباللحظة التي اعتبر العراقيون ان البصرة استطاعت تغيير المعادلة، اكتشفوا ان التفافاً خطيراً حوّل “الانتفاضة” الى ورقة لترسيخ الهيّمنة بشكل اكبر، وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة وفقاً للمزاج الايراني.

تاريخ الاهمال

تعاني من البصرة وهي المدينة التي تدر على خزينة البلاد بنحو 80% من الموارد المالية سواءً من انتاج وتصدير النفط بنحو 3.5 مليون برميل يومياً من اصل 4.6 مليون برميل يومياً، او من موارد الموانئ التجارية والمنفذين الحدوديين مع الكويت وايران، من اهمال ممنهج وسوء ادارة بالغ الاجحاف مع تمثيل سياسي ضعيف على مستوى صنع القرار السيادي رغم تمثيلها في البرلمان بـ 25 نائباً، ووزيرين بقطاع النقل والنفط، الا إنها تظل منسية في خطط التنمية وتنشيط الاقتصاد والقضاء على الفقر والبطالة وتفشي الاقتتال العشائري، الى جانب الانهيار البيئي والخدمي والصحي وانتشار السرطانات وشيوع تعاطي المخدرات، واستنزاف مواردها البشرية عبر تجنيدهم في الجماعات المسلحة “الحشد الشعبي” او الاجهزة الرسمية كالجيش والشرطة.

وغالباً ما تبرز في البصرة عيوب أي نظام سياسي يحكم العراق. فالاهالي هناك بسبب طبيعة الضغوط التي يقاسوها يتبنون حركات احتجاج او مناوئة. فالمدينة التي تقع في اقصى جنوب العراق (550 كلم عن بغداد) تشعر انها مجرد ارض تستنزف مواردها.

في العام 1921، وعقب مقررات مؤتمر سان ريمو باعادة تقسيم المنطقة انطلاقاً من اتفاق سايكس – بيكو، نُزع تاج حكم سورية كمملكة من فيصل الاول ووضعت تحت “الانتداب” الفرنسي، فيما كان العراق خاضعاً لـ”الانتداب” البريطاني، وكتسوية غير عادلة لفشل “الثورة العربية”، قررت السلطات البريطانية اعلان العراق مملكة هاشمية يعتلي عرشها فيصل الاول، الذي قدم الى حكم العراق عبر البحر، ونزل في موانئ البصرة الذي كانت ترفض الولاية الهاشمية.

كان اعيان البصرة والوجهاء والمشايخ البارزين يطمحون الى انفصال المدينة عن العراق واعلانه دولة او مملكة، او ان تختار بريطانيا ملكاً عراقياً من عائلات المدينة، لكن الرد البريطاني لهذا التمرد المبكر بقمع تلك الطموحات عسكرياً بقصف منازل الاعيان المعترضين ونفّيهم.

وحين تسلم فيصل الاول العرش، وبات يشرع ببناء القدرات العسكرية للمملكة الوليدة، تمرد البصريون مجدداً احتجاجاً على قانون التجنيد الالزامي، وحينها كانت القوة الجوية العراقية تتشكل تحت الأُمرة البريطانية في 22 نيسان 1931. فشنت القوة الجوية اول عملية لها بعد نحو 3 اشهر فقط هجومها الاول لإخماد تمرد عشائر شمال البصرة المعترضة على التجنيد الالزامي في 17 تموز/ يوليو 1931، فقصفت قرى الرحمانية الواقعة الان ضمن الحدود الادارية لقضاء “المْدَّيّنة”، وهي ذات المنطقة الذي سقط فيها اوائل القتلى في احتجاجات البصرة في العامين (2015) و(2018).

تطفو البصرة على بحر هائل من النفط يقدر كاحتياطي مثبت بـ 65 مليار برميل، يشكل نحو 52% من الاحتياطي النفطي العراقي، بينما تشير المسوحات الجيولوجية للشركات النفطية التي تعمل الان في المدينة، ان الاحتياطي سيرتفع الى 80 مليار برميل مستقبلاً مع اكتشاف مكامن جديدة.

ورغم الغنى الهائل للمدينة التي يسكنها نحو 3 ملايين نسمة، يعيش نحو 40% منهم تحت خط الفقر، مع نسبة بطالة يقدرها مجلس ادارة المدينة بنحو 50% من الايدي العاملة فيها، وبما نسبة 7.8% من مؤشر البطالة على مستوى البلاد، لكن الانظمة السياسية المتعاقبة تنظر الى الثروة البشرية المهملة على انها خزّان نموذجي في الصراعات العسكرية او المسلحة.

فخلال الحرب العراقية – الايرانية، كانت البصرة مسرحاً مفتوحاً لحرب دامية وشرسة، ومراراً حاول الايرانيون احتلالها تمهيداً لعزلها وانهاء الحرب واسقاط النظام في العراق، ونتيجة للصراع دمرت المدينة وتغيّرت معالمها وميزاتها الزراعية والاجتماعية ونظامها البيئي الدقيق القائم. فخسرت المدينة نحو 30 مليون نخلة لم يتبق منها الان سوى 3 ملايين فقط تعاني من الامراض وشح المياه والتلوث والتجريف من الشركات النفطية الطامعة بالاستحواذ على مزيد من الاراضي لتوسعة الرقع الاستكشافية والاستخراجية.

لم تحظ البصرة باعمار او تنمية منذ العام 1989. كانت عملية محدودة للغاية ومقتصرة على احياء وبلدات محددة، والهدف كان سياسياً لاعتبارات العداء مع ايران. اما الان فان المدينة التي كانت محجاً للخليجيين للترويح والاستجمام، باتت مكباً هائلاً للنفايات وعشرات الاطنان من السخام الاسود يغطي سماء المدينة فيما درجات الحرارة تتجاوز 60 مئوية مع تصحر يبلع المدينة ويحاصرها الى جرف شط العرب الراكد الذي بات بحيرة شديدة السُمية. فمنذ شهرين (حتى منتصف ايلول الجاري) سجلت السلطات الصحية نحو 80 الف اصابة تسمم بالمياه المالحة الملوثة، بمعدل 1000 اصابة يومياً. عوضاً عن الاصابات السرطانية المتفاقمة منذ حرب الخليج الثانية العام 1991 والتي كانت البصرة بوابة ومسرحاً مؤلماً لها.

عقب الهزيمة المتوقعة في حرب الخليج 1991، كانت البصرة بوابة الانتفاضة على النظام آنذاك جراء الخطوة غير المسؤولة التي اقدم عليها صدام حسين. تلك الانتفاضة تشبه الى حد كبير انتفاضة البصرة 2018، لجهة الاستياء من الاوضاع المتردية في المدينة والمستقبل الغامض.

ذات الظروف الكئيبة تحيط بالبصرة الان. وحينما خرج البصريون وهم غاضبون كان بسبب الاهمال الذي بات عُرّفاً في ادبيات الحكومات المتعاقبة، محاولين تحقيق مطالب خدمية اساسية، لكن الصراع السياسي والاستقطاب الاقليمي حوّل ذلك الغضب الى لعبة مقامرة راح ضحيتها البصريون مجدداً.

احتواء بالحرق

عاشت البصرة اعواماً رهيبة بعد العام 2003، فالاحتلال البريطاني حوّل المدينة الى ثكنة عسكرية وساحة مواجهة وتصفية حسابات واسعة. منذ 2003 وحتى 2009 حين انسحب البريطانيون، ذابت المدينة في سائل حارق، واختفت ملامحها المدنية الشهيرة، فالبصرة كان موطناً ثقافياً وموسيقياً، وتعد اجتماعياً واحدة من مدن الانفتاح، لكن اضمحلالها بدء من ثوران مدافع الحرب مع ايران (1980) وهزيمة الخليج الثانية (1990) وحصار اقتصادي مريع حتى (2003) وما تلاه من صراع مرير بين البريطانيين والجماعات والفصائل المسلحة المدعومة من قبل ايران او تلك التي تغوّلت لتستحوذ على المدينة. وطيلة 15 عاماً كانت الموارد تُستنزف والخدمات تنهار وشبكة الفساد تتسع.

في 2010 وعقب انسحاب البريطانيين، اندلعت في المدينة اول احتجاجات شعبية غير مسيّسة ضد انهيار الخدمات وشبه غياب الكهرباء ولاسيما في موسم الصيف اللاهب، سقط بتلك الاحتجاجات اول قتيلٍ في البصرة والبلاد مطالباً بحقوق اساسية فشل بتأمينها النظام الجديد. ومذ ذاك العام كانت البصرة تغلي مع اكتظاظ السُكان والضغط الهائل على منظومة الخدمات والبُنى التحتية المتهالكة.

في حزيران/ يونيو 2015 اندلعت احتجاجات اعنف، سقط ضحيتها شاب يافع في البلدة التي قصفها الملك فيصل العام 1933. وبات اليافع منتظر الحلفي (17 عاماً) رمزاً للاحتجاج في انحاء البلاد. لكن الاوضاع كانت تزداد سوءاً. ومن ذات البلدة نفسها وامام بوابة حقل نفطي عملاق (الرميلة الشمالية) اندلعت الاحتجاجات الدامية في عموم البلاد، بعد مقتل سعد المنصوري (26 عاماً – متزوج وله 3 اطفال) بتموز/ يوليو 2018.

اشعلت دماء المنصوري الاحتجاجات في ست محافظات جنوب العراق، سقط فيها 20 محتجاً ومئات الجرحى، وفي البصرة وحدها بدءاً من مقتل المنصوري حتى الاسبوع الفائت سقط 30 قتيلاً ومئات من الجرحى، وعشرات المعتقلين والمختطفين.

الغليان الشعبي، كان يقوده شُبان صغار متحمسين لتغيير واقعهم المزري، وازاء هذا الحماس كانت القوى المضادة من احزاب فاسدة وميليشيات اجرامية وطهران وواشنطن، تغذي الاحتقان وتنتظر الفتيل الذي سيشعل بارود البصرة.

المطالب الخدمية والاستياء البالغ من الفشل الحكومي ورفض تحكّم الميليشيات وبروز الهيمنة الايرانية على نحو استفزازي، وانهيار الخدمات وارتفاع البطالة وتسمم المياه والملوحة، اشعلوا الاحتجاجات على نحو دراماتيكي، اختلطت فيه اوراق الاطراف كلها، ولعب فيه التخادم المباشر وغير المباشر دوراً في تضبيب الصورة.

البصرة بقبضة طهران

تعاني البصرة من مشكلة ملوحة مياه ازلية. لكنها الان وصلت الى مرحلة مخيفة للغاية لعوامل ساهم فيها فشل النظام السياسي ومنظومة سرقة الاموال العامة وسياسات ايران المجاورة للبصرة.

قطعت إيران في السنوات العشر الاخيرة نحو 35 رافداً رئيسياً كانت تمر في العراق، فخسر 80 في المئة من مصدر المياه. إيران غيّرت، وبخطوة احادية، مسار أهم رافدين هما “الوند Alwand River” و”الكارون Karun Rive”، ما اضرّ كثيراً بالمساحات الزراعية الواسعة في البصرة (جنوب) وواسط (جنوب شرق) وديالى (شمال شرق). في العام 2011 اقرت الحكومة الايرانية مشروعاً لبناء 152 سداً، بعضها للتحكم و”استنقاذ” المياه الداخلة الى العراق.

قطعت ايران على مراحل نهري الكارون الذي يصب مباشرة في شط العرب في البصرة، والكرّخة اللذي يصب في الاهوار المشتركة بين (العمارة الناصرية والبصرة) ويحافظ على منسوب المياه العذبة، واقامت على نهر الكارون لوحده 15 سداً وناظماً للسيطرة حتى العام 2009. وفي العام 2013 محت السلطات الايرانية نهر الكارون من الوجود بتجفيف المجرى المتجه الى البصرة، بعد ان كان يدفع بـ14 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنويا في شط العرب.

حوّلت طهران نهر الكارون لتغذية نهر “زاينده رود” في اصفهان بعد ان قلت مناسيبه، اما نهر الكرخة الذي يصب في هور الحويزة العراقي، فشُيّدَ عليه أكبر سد في إيران بسعة تخزين تبلغ 5.9 مليار متر مكعب وقدرة إنتاج كهربائي تصل إلى 520 ميغاواط فابتلع المياه كلها.

لم تكتف إيران يحجب المياه الحلوة، فاستخدمت الروافد الجافة لدفع مياه البزل المالحة باتجاه الاراضي العراقية. حتى أن تلك المياه الضارة غمرت جزءاً كبيراً من الشريط الحدودي بين العراق وإيران عند البصرة، بما فيها مخافر حدودية، ما اضطرها الى الانكفاء الى العمق العراقي هرباً من الاذى ومن فيضان محتمل. وفي نوفمبر 2017 بلغت مستويات مياه البزل المالحة القادمة من إيران منسوباً مرتفعاً غير مسبوق ما هدد بانهيار السدة الترابية البدائية (وهي من مخلفات سدود الحرب العراقية – الايرانية). وهدد السيل المالح بغزو البصرة التي تعاني اصلاً من الملوحة والتصحر وتقلص الاراضي الزراعية والتلوث النفطي وزيادة السرطانات.

وبحسب فحوصات دائرة المياه في البصرة، فأن نسبة الملوحة بلغت 8000 جزء لكل مليون ليتر بمنطقة سيحان الشهيرة بالبساتين والنخيل سابقاً، فيما النسبة بمركز البصرة 3000 جزء، وفي كلتا الحالتين النسبة تتجاوز المعدل الطبيعي بكثير، وتهدد بتسمم مميت. فيما تقول مديرية زراعة البصرة إن المد الملحي الايراني ألحق أضراراً كبيرة بالمناطق قرب شط العرب بعمق 100 كلم. ويؤكد مدير ماء البصرة فإن التركيز الملحي زاد بشكل مخيف بدءاً من يوليو 2017.

اقدمت ايران على خطوة استفزازية في حزيران/ يونيو الماضي بقطع خط الكهرباء الذي يغذي البصرة لقاء اموال ضخمة، بحجة ان مديونية العراق اصبحت مرتفعة وعليه تسديدها. قطع الخط اغرق المدينة بالظلام وحوّلها الى جهنم بالتزامن مع بدء موسم الصيف.

الصراع مع واشنطن

كانت ايران تريد ان تناكف الولايات المتحدة التي بدأت تطبق عقوبات ضدها وتمنعها من تصدير النفط عبر الخليج. تخيّلت طهران ان الضغط على الاهالي عبر قطع الكهرباء وزيادة تدفق التراكيز الملحية القادمة من اراضيها سيجعل البصريين ينتفضون ضد رئيس الوزراء حيدر العبادي حليف واشنطن فتسهم بمنعه من تولي رئاسة جديدة للحكومة وتثبت لواشنطن قدرتها الذكية على المناورة. لكن الامر انقلب الى لعبة كارثية، جعلت من السكان يصبّون نار الكراهية على طهران، حين اقدموا على حرق جميع مكاتب ومقار الاحزاب والميليشيات المرتبطة بها، واقتحموا رمز السيادة الايرانية (القنصلية العامة في البصرة) وانزلوا العلم واحرقوه قبل ان يقوموا باحراق مبنى القنصلية بالكامل، وهو يرددون “ايران.. بره بره.. والبصرة تبقى حرة”.

هذه الفورة التي بدت وكأنها انتصار للشباب والاهالي المحرومين، انقلبت سريعاً الى بسط هيمنة اكبر، فشنت القوى المضادة هجمتها، ونشرت قوات الحشد الشعبي بعد ليلة النار الرهيبة تلك، الافاً من عناصرها في عموم المدينة، واعلنت في خطوة استفزازية مؤاتية جداً لمناخ فراغ السلطة في العراق، تشكيل 10 الوية من المتطوعين اطلقت عليهم “قوات التعبئة الشعبية” على غرار “قوات البسيج – سازمان بسیج مستضعفین” الايرانية المساندة للحرس الثوري. مهام هذه القوات التي وفقاً للمعلومات انها بدأت بالتشكيل منذ اوائل العام 2018 بصمت، التدخل لفض اية احتجاجات مستقبلية، والاهم اختراقها قبل ان تندلع. ستوفر تلك القوات الجديدة مساحة مناورة ذكية لزيادة الهيمنة على البصرة. التجربة ستعمم على جميع المحافظات العراقية.

ما حصل في البصرة، كانت لعبة مقامرة شيطانية، كان الاهالي المحرومين ضحيتها. فواشنطن التي ارادت كسر هيبة ايران في العراق عبر البصرة، ضيّعت فرصتها مجدداً، واثبتت طهران انها الاقوى على الارض، بينما ظل الاميركيون يناطحون طواحين الهواء. عزلت طهران مرشح واشنطن لرئاسة الوزراء (حيدر العبادي) وطحنته في جرن البصرة المالح، واستتبعت كل ذلك باجراءات هيأت مسبقاً. ومع انتخاب رئيس البرلمان الجديد (محمد الحلّبوسي) المقرّب من طهران وقوى الحشد الشعبي، وانفراط جبهة مقتدى الصدر – العبادي تماما، بات الطريق سالكاً لتشكل قوى ايران الحكومة في العراق، انطلاقاً من المقامرة الدامية التي دفعت ثمنها البصرة.

PHOTOGRAPH: by Nabil aljurani (AP).

أضف تعليق