سنان انطون: سيرة “التغريبة العراقية” لما بعد 2003
صفاء خلف
مجتزأ عن دراسة ثقافية – اجتماعية مطوّلة، عن مجمل اعمال سنان انطون الروائية.
يُقدم الروائي سنان انطون، التحولات الاجتماعية وتداعيات انهيار سلطة وقيام بديلة على انها “تغريبة عراقية” متسلسلة تستحدث نفسها وتتكيّف.
الاعمال الروائية الاربع التي قدّمها انطون – وهو شاعرٌ ايضاً – [ اعجام (دار الآداب 2003)/ وحدها شجرة الرمان (العربية للدراسات والنشر 2010)/ يا مريم (منشورات الجمل 2012) رشحت ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2013)/ فهرس (منشورات الجمل 2016)]، تُشكل شهادة لذيذة ومؤلمة لتنويعة (القمع/ الحرب/ الميتات المفجعة/ اليأس) وقوّتها العتيدة بتهشيم المجتمع وتحطيم الفرد.
انطون يفتل خيطاً دقيقاً بمنتهى القوة بمغزل العين النقية التي تلقط المآسي وتنسجها مجدداً كصورة دقيقة التفاصيل.
يستثمر انطون الطاقة الحسّية للحدث. اللغة عنده تركيبة وازنة لها وظائفها التي يتركب بها الحدث، يُبنى او يتلاشى، واهم وظائفها ان تعبر انسانياً عن الهم الاجتماعي (رواية يا مريم)، او تحشد كل جمالياتها البارعة في التوصيف والتوصيل والدلالة المبهرة واستضافة التاريخ الغامض لجماعة طائفية لها مبانيها الميثولوجية (رواية وحدها شجرة الرّمان)، او القوة النفيسة للروح الهائمة وهي تقفز من دائرةِ الى دائرة، كزمنٍ حلزوني لا ينتهي؛ كل نقطة فيه بداية تستحدث نفسها وتبتلع التي تليها، ثقب هائل لا يشيخ (رواية فهرس). او (اعجام) حفريات العثور على الذات واعادة اكتشافها.
بدءاً من (اعجام) وحتّى (فهرس) يُمتّن انطون شهادته عن المأساة العراقية، كشاهد حريص لا ينسى التفاصيل المُرهقة التي تعذّب الضحايا حتى بعد ان يموتوا وتظلّ عيونهم مندلعةٌ ترّوي قساوة التجربة.
وبمطلق التوصيف، فأن انطون يُقدم “تغريبة عراقية” بسياقها الزمني او بتنقلاتها المكانية او بكشوفاتها للمكونات الاجتماعية عبر تقديم العوالم الخاصّة الغامضة ببراعة العارف المُنّصف.
دوماً يقدم انطون معادلة انسان الهامش/ هامش الانسان. لم يقدم بطلاً عتيداً صلباً او مختلقاً على مقياس رغبة كل كاتبٍ ان يباشر حياة موازية يتمناها عبر بطله. كل شخوصه ببراعة اللغة التي تستثمر طاقتها الحسّية، تُقدم ذاتها المُجرّدة بصوتها العالي او بمخاوفها الدفينة. وحتى الفعالية الآدمية اللامعة (الجنّس) يضعها انطون في سياقها البشري وضرورتها الحياتية.
لعل المشهد العظيم الذي يرّسمه في (وحدها شجرة الرّمان) ايام الاقتتال الطائفي في العراق، يُفسر على نحو رائع كيف للروح البشرية التي تتحرر من مأزقها الطائفي وتنفصل عن عراكها المسموم وتنصهر في آدميتها النقية كواحدة من التعبيرات المدهشة عن السمو بين (جواد) و(ريم) بطلا الرواية اللذين تهرسهما المدينة المتعادية مذهبياً بالدم والرؤوس المقطّعة.
هكذا رسم انطون بعبارات رشيقة، قاصفة وسريعة، صورة (ريم) وفقاً لعين “جواد”:
“أول مرة رأيتها فيها كانت ترتدي السواد /ص 54/ (…) كانت تنام عارية على دكة مرمر في مكان مكشوف بلا جدران او سقف /ص 1/ (…) تفرست في وجهها وهمست باسمها: ريم، فابتسمت دون ان تفتح عينيها في البداية، ثم فتحتهما وابتسم السّواد في بؤبؤيهما ايضاَ /ص 8/ (..) في اول اسبوع من سنتي الدراسية الرابعة رأيتها تجلس لوحدها على مصطبة قرب بناية قسم المسرح، كانت ترتدي ملابس سوداء…/ ص 66/ (…) اقتربت منها وقبلتها بثقة أكبر هذه المرة. طوقتني بذراعيها. بدأت افك ازرار قميصها الابيض فبدت حمالة صدرها البيضاء تُخبئ نهديها الممتلئين /ص 78/”.
الدلالة اللونية التي وظفها انطون لتقديم “ريم” عبر دائرة السواد الكثيفة تماثلها دائرة السواد الموازية التي خيّمت على حياة “جواد” الرّسام البارع الذي يعمل غاسلاً للاموات، وما بيّنهما تُقيم المنطقة الرمادية.
كلا الدائرتين المتداخلتين، هما المصير العراقي الذي تُطحن عظامه في زمن اسود. لحظة خاطفة بدا كل ذاك السواد يتهشم وكأنه فتات كونكريتي هائل: “احسست بالرمل تحت قدمي وبريح باردة بعض الشيء /ص 7/”.
اشرقت القوة الآدمية حين ازاحت سواد “الانتماء” وجنحت الى “بياض” الآدمية النقية “أَفكُ ازرار قميصها الابيض فبدت حمالة صدرها البيضاء”.
هذه الدلالة المخبوءة بعناية “البياض” هي القوة الاجتماعية التي اراد انطون ان يفتحها كأمل مشرق وسط الاقتتال الطائفي العنيف في بغداد اعوام الدم (2006 – 2007).
غاب الآخر وهو “ريم” فغاب السلم الاهلي والتوازن الدقيق لمجتمع يتداعى خلف اسوار شرسة: “هي في الخندق المعادي – ريم –، وبغداد (…) الان صارت سجوناً متلاصقة تحرسها الميليشيات /ص 80/”، ويمضى حتى يستحيل “البياض” مطابقاً لـ”السواد”: “البياض يغطي كل شيء. البياض الصامت /ص 81/”.
يفتتح سنان انطون روايته (فهرس) بتعليق يُنسب لـ”المرزباني” الذي ترجم سيرة ابن النديم البغدادي (ت 1047م) تعليقاً على كتابه “الفهرست” انه “…وترك فيه بياضات كثيرة”.
و”فهرست” ابن النديم البغدادي هو الارشيف الموثوق لكل “ما صدر في اللغات والكتب المقدسة وعلوم القرآن، اللغة والنحو، الأخبار والأنساب، الشعر، علم الكلام، الحديث والفقه، الفلسفات، الأسماء والخرافات، الاعتقادات، الكيمياء أو الصنعة، في زمانه”.
يتداخل شيء من الشخصي في رواية “فهرس” مع شخصية “نمير” المُرهق بالتاريخ واللحظة التي تصنع الحاضر المقزز، ويتداخل مع شخصية الخليفة، راوٍ عليم متخفٍ وكأنه ضمير يطلع فجأة، ليسرد مقاربة تمد الجذور عميقاً من تغريبة الآن مع تغريبة الماضي.
“… لا اعرف ما الذي دهاني ووافقت وذهبت الى بغداد بعد كل تلك السنين؟ /ص 27/”.
بلحظة ما، يتطلع القارئ بسيرة شخصية غير معلنة. واخرى موازية. وثمة سيرة اعتراضية تقفز من التاريخ غير الرسمي الى المعقد الامامي لحافلة “الذاكرة الانتقائية”، وكأن زمناً هلامياً يطفو ويتنقل، يلبس الحاضر وكأنه جُبة خليفة قَدِمَ من الاثر راكضاً الى المستقبل: “لا أحد يعرف اين يَسّكُن الخليفة (…) هذا شارع الرشيد، شارعي، يا خوات الگحبة، مو شارع اليّ خلّفوكم”.
“فهرس” تفترش التاريخ وكأنها بانوراما مُجهدة يتقصى ابعادها كائن “ثلاثي الزمن” له حياته ويتقمص حيوات الاخرين وينزل الى التاريخ عبر طبقاته مستكشفاً قيعان العوالم بيومياتها التي تتكرر بنسخٍ اكثر تشوهاً.