تآكل الاقتصاد الرِّيفي في العراق: فشل الدَّولة الرَّيعية والعُنف المُرتبط بالتَّدهور البيئي ونُدْرة المياه والصِّراع على الموارد

صفاء خلف

لم يعد التدهور البيئي في العراق أزمة قطاعية، بل تحوّل إلى محرّك بنيوي للعنف وعدم الاستقرار، نتيجة تداخل التغيّرات المناخية، وندرة المياه، والتوسّع النفطي غير المنضبط، وضعف الحوكمة البيئية. وتُظهر أن السياسات الرسمية تعاملت مع الأزمة بمنطق الضبط الأمني وإدارة الكوارث، بدلاً من إدارة المخاطر والعدالة البيئية، ما حمّل المجتمعات الريفية والهشّة كلفة التكيّف ودفعها نحو النزوح والاحتجاج والانخراط في «اقتصاد العنف».

تبيّن هذه الورقة أن النزاعات المرتبطة بالمياه والأراضي والموارد تتجاوز التعريفات التقليدية للصراع المسلّح، إذ إن أثرها لا يُقاس بعدد الضحايا فقط، بل بقدرتها على إنتاج العنف وتراكم مسبّباته. وفي هذا السياق، تتحوّل البيئة إلى ساحة تنافس بين الدولة والفاعلين المسلّحين والمجتمعات المحلية ضمن حلقة متواصلة من: التدهور البيئي، وفقدان سبل العيش، والصراع الاجتماعي، والاستجابة الأمنية القسرية، ثم النزوح والهشاشة.

وتحذّر الورقة من أن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل التدهور البيئي إلى محرّك طويل الأمد للصراع في العراق، ما يستدعي الانتقال من منطق القسر إلى العدالة البيئية، عبر حوكمة تشاركية وإعادة بناء سبل العيش وتعزيز التعاون المجتمعي، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً للاستقرار وبناء السلام البيئي المستدام.


نُشرت الورقة بالتعاون مع موقع (صفر): الارض، العمل، رأس المال. 08 حزيران/ يونيو 2026. الورقة بصيغة PDF.


الملخص التنفيذي

تكشف هذه الورقة، إنَّ التَّدهور البيئي في العراق لم يعد أزمة قطاعية معزولة، بل تحوَّل إلى بُنية مولِّدة للعُنف وعدم الاستقرار، تتقاطع فيها عوامل اساسية، ابرزها التَّغيرات المناخية المُتعددة الأوجه، ندرة المياه وسياسات تجفيف الموارد الهيدرولوجية، الفقر والهشاشة الاجتماعية العامة، التَّوسع المُفرط وغير المُنضبط للصناعة النفطية وحرق الغاز، ضعف الحوكمة المائية والبيئية. تُشكل ما تُسميه هذه الورقة بـ”حِدَّة الأثر البيئي” (Environmental Impact Intensity)، بوصفه تعريفاً شاملاً لإطار مُركب وتفاعل بنيوي بين عدة عوامل مُتداخلة تُعيد تشكيل أنماط العيش، والعلاقات بين الدَّولة والمجتمع، ومسارات الصِّراع الجَّماعي والعنف الحكومي المؤسسي. 

يُظهر التحليل إنَّ السِّياسات العامة العراقية استجابت للأزمة البيئية عبر أدوات الضَّبط الامني و”إدارة الكوارث”، بدلاً من تبني مقاربات استباقية لإدارة المخاطر البيئية. أدّى هذا النَّهج إلى تحميل كلفة التَّكيف على المجتمعات الرَّيفية والهشَّة، في ظل تفكيك الاقتصاد الزِّراعي، تقنين المياه، وتوسّع التَّهميش الاقتصادي. نتيجة لذلك، اضطرت قطاعات واسعة من السُّكان إلى تبنّي استراتيجيات بقاء عالية المخاطر، شملت النزوح، الاحتجاج العنيف، والانخراط في “اقتصاد العنف”.

ورغم أن برنامج بيانات النِّزاعات في أوبسالا (UCDP)، يُعرّف الصِّراع معيارياً بوصفه تنازعاً مُنظَّماً بين “فاعلين مُسلحين” يؤدي إلى 25 حالة وفاة مُرتبطة بالقتال أو أكثر، فإن وقائع وتحليل العُنف البيئي البنيوي في العراق، يُؤشر على محدودية التَّعريف في تفسير ديناميات النِّزاعات البيئية. إذ إنَّ كُلفة المخاطر لا تتجلى فقط في عدد الضحايا المباشرين، بل في ترسيخ مُسببات العنف على نحو تراكمي وتاريخي. يُلاحظ أن النِّزاعات القائمة على المياه والموارد والمراعي في العراق، سواء الناشئة داخل المجتمعات المحلية المُتضررة أو المرتبطة بالإجراءات الأمنية الحكومية، غالباً ما تُخلّف قتلى وجرحى ما بين شخص واحد وعشرة أشخاص على الأقل. بالتالي، ثمة ضرورة لاعادة تعريف النَّزاعات البيئية بمعزل عما يُنتج عنها من حالات قتل ووفيات، على اساس القابلية المنظورة لامكانية تصاعد العُنف وتحوله، إلى “نزاع مُسلح”، وفقاً للتعريفات المعيارية.

في هذا السِّياق، لم تعد نزاعات المياه والأراضي مجرَّد صراعات محلية، بل باتت تعبيراً عن اختلالات بنيوية أعمق، تتحوَّل فيها الموارد الطبيعية إلى أدوات تنافس سياسي–أمني، وتغدو البيئة نفسها فضاءً للصِّراع بين الدَّولة، الفاعلين المسلحين، والمجتمعات المحلية. تكشف النِّزاعات المتنامية على امتداد البلاد، أن العُنف المُرتبط بالبيئة يُعاد إنتاجه ضمن حلقةٍ مُغلقة من:

وعليه، فإن استمرار هذا المسار يضع العراق في قلب مخاطر الأمن المناخي العالمي، ويُنذر بتحوَّل التَّدهور البيئي إلى محرّك طويل الأمد لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. يتطلب كسر روابط ومُحركات العُنف المُرتبط بالبيئة إحداث تحوّل جذري في مقاربة الدَّولة، من منطق الضَّبط والقسْر إلى منطق العدالة البيئية، وإعادة توزيع الموارد، وبناء الثِّقة مع المُجتمعات المُتضررة، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار المُستدام، والانخراط في مسار بناء السَّلام البيئي (Environmental Peacebuilding) القائم على تعزيز أشكال التعاون، بما يُسهم في تقليل العُنف وبناء علاقات أكثر سلمية واستدامة.

التحديات المرتبطة بالبيئة في العراق لا يمكن التَّغلب عليها عبر سياسات التكيّف أو التخفيف المناخي وحدها، بل يتطلب تبنّي برنامج تعافٍ مُستدام (Sustainable Recovery)، بوصفه مبدأً حاكماً، يُعيد بناء سُبل العيش والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية من خلال حوكمة بيئية عادلة، تشاركية وتعاونية. فشل تبني هذا التحول من شأنه أن يُرسِّخ التَّدهور البيئي في العراق، بما يجعله محركاً طويل الأمد يُغذي الصِّراع وعدم الاستقرار، ليس على المستوى الوطني فحسب، بل ضمن سياق الأمن المناخي الإقليمي والدولي.

1. المُقدِّمة 

في حزيران/ يونيو 2025، أقدم راعٍ يشتغل في الفلاحة على “الانتحار”، بعد قتلهِ لشقيقين وجرح سائق جرار زراعي، بسلاح ناري، إثر خلافٍ على منطقة رعي في قرية “سيبه خان” بناحية “شيخ طويل” ضمن قضاء كلار في محافظة السليمانية1. الحادثة، التي تأتي في سياقٍ مُتنامٍ من حوادث فردية وجماعية مشابهة تتكرر يومياً في أنحاء مختلفة من البلاد؛ تُعدُّ مثالاً مُكثفاً ومؤشراً خطيراً على تصاعد ما يمكن اعتباره عُنفاً اجتماعياً مُرتبطاً بالبيئة وصِّراع الموارد، وعلى صلة بـ”الأمن المناخي”. إذْ إنَّ اتساع فجوة قدرة الدَّولة على الاستجابة، وفشل السِّياسات الحكومية في إدارة الأزمات البيئية، يُنمِّي الانعدام المُتزايد للثِّقة والتَّعايش القائم على المشاركة السِّلمية للموارد بين المُجتمعات المحلية المُتضررة. 

بات العُنف الموجَّه نحو الدَّولة او المنافسين المحليين او نحو الذَّات، دينامية اضطرارية للتَّكيف القَسْري مع “حِدَّة الأثر البيئي”2 الآخذ بالاتساع، حيث تتحول الصَّدمات البيئية وتآكل سُبل العيش إلى مُحفزٍ رئيس يُسرِّع تفكك السَّلم الأهلي، مُهدداً أمن المُجتمعات المُستقرة، ودافعاً مثالياً للتفكير بالنزوح والهجرة، او الانتقال الدَّاخلي، ضمن حلقةٍ مُغلقة من التَّنافس على الموارد والهروب من قسوة المُتغيرات البيئية. وعليه، لا تُمثل حادثة “سيبه خان”، فعلاً فردياً معزولاً، أو نتاجاً للحظة غضب عابرة؛ بل استجابة مُدمرة لسياق بنيوي أوسع يُمثل فيه التَّدهور البيئي عاملَ ضغطٍ مركزي يُعيد تشكيل أنماط العُنف والنِّزاع المحلي. 

الجَّفاف واسع النِّطاق، انهيار القطاع الزِّراعي، ازدياد التَّصحر، شحة وملوحة المياه، اضافة الى الإجراءات الحكومية المُصممة للسَّيطرة على تآكل الموارد؛ جميعها تعتبر عواملَ تضغط بشدة على الاقتصادات الرِّيفية الهشّة. في المقابل، تتمتع البيئات المُتضررة بقابلية مُرتفعة على التَّسلح وتنظيم نفسها عُنفياً، حين ترى في ذلك، استراتيجية ناجحة للبقاء، ما يُفاقم من التَّنافس على الموارد المحدودة، في ظل غياب حوكمة عادلة وفعّالة.

تتقاطع الشَّواهد الميدانية الحيَّة في العراق، مع أدبيات الأمن المناخي (Climate-Security Nexus)، حيث تؤكد سياقاتها العُنفية، إنَّ تآكلَ سُبل العيش وتخلخل الاستقرار نتيجة التَّدهور البيئي، قد يُفضيان الى صراعٍ مباشرٍ، ويعملان بوصفهما “مُضاعِفاً للمخاطر”. الامر الذي يُعمّق على نحو مُتزايد هشاشة السِّياقات المُجاورة السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، مثلما يُحول التَّوترات الكامنة إلى مواجهات جماعية مفتوحة ومُعلنة مع اتساع نطاق المظالم.

الجَّفاف واسع النِّطاق، انهيار القطاع الزِّراعي، ازدياد التَّصحر، شحة وملوحة المياه، اضافة الى الإجراءات الحكومية المُصممة للسَّيطرة على تآكل الموارد؛ جميعها تعتبر عواملَ تضغط بشدة على الاقتصادات الرِّيفية الهشّة. في المقابل، تتمتع البيئات المُتضررة بقابلية مُرتفعة على التَّسلح وتنظيم نفسها عُنفياً، حين ترى في ذلك، استراتيجية ناجحة للبقاء، ما يُفاقم من التَّنافس على الموارد المحدودة، في ظل غياب حوكمة عادلة وفعّالة.

تتقاطع الشَّواهد الميدانية الحيَّة في العراق، مع أدبيات الأمن المناخي (Climate-Security Nexus)، حيث تؤكد سياقاتها العُنفية، إنَّ تآكلَ سُبل العيش وتخلخل الاستقرار نتيجة التَّدهور البيئي، قد يُفضيان الى صراعٍ مباشرٍ، ويعملان بوصفهما “مُضاعِفاً للمخاطر”. الامر الذي يُعمّق على نحو مُتزايد هشاشة السِّياقات المُجاورة السِّياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، مثلما يُحول التَّوترات الكامنة إلى مواجهات جماعية مفتوحة ومُعلنة مع اتساع نطاق المظالم.

ومن أجل الوصول إلى فهم شامل لعواقب الأضرار البيئية، سواء تلك النَّاجمة عن النِّزاعات أو المُسبِّبة لها، بدا من الأنسب الجَّمع بين منهجي “قياس الآثار” (measuring impacts) و”قياس التَّعرض” (measuring exposure). يُساعد الدَّمج المنهجي على تحليل ورصد تصاعد وتيرة العُنف الجَّماعي المُرتبط بالتَّدهور البيئي في العراق، بوصفه نتاجاً لتفاعل ثلاثة مؤثرات رئيسة: تراجع الموارد، وتزايد الطَّلب عليها، بالتَّزامن مع ضعف المؤسسات وعطالة الإجراءات الحكومية. علاوةً على ذلك، يُتيح الإطار التَّحليلي استكشاف العلاقة بين الجغرافيا السِّياسية للموارد وأنماط العُنف المُرتبطة بها، بما يؤشر على الكيفية التي تتحول فيها الموارد من عناصر استقرار وتنمية، إلى بؤرِ توترٍ وصراعْ.

2. السِّياق النَّظري – المنهجية

يَستند الفهم التَّحليلي لهذا الورقة، الى مقاربة الأمن المناخي (Climate-Security Nexus)، التي ترى في تآكل سُبل العيش وتهشم الاستقرار نتيجة التَّدهور البيئي، قد تُفضيان الى صراع مباشر، ويعملان كـ”مُضاعِف للمخاطر – (Risk Multiplier)”، ما يُعمّق الهشاشة العامة التي ينمو ويزدهر في ظلها العُنف النَّاجم عن البيئة (IPCC, 2022؛ Ide et al., 2021). وفقاً لذلك، تُصبح الصَّدمات البيئية المتوالية والسِّياسات الحكومية المُتَّخذة لاحتوائها، عواملَ ضغطٍ بنيوية تُعيد تشكيل أنماط التَّفاعل الاجتماعي والاقتصادي، خصوصاً في الدِّول الهشَّة مؤسسياً مثل العراق3.

يُعدُّ إطار توماس هومر- ديكسون (Homer-Dixon, 1994; 1999)4 حجر الأساس في فهم العلاقة بين البيئة والعُنف، حيث يقدّم مفهوم “النُّدرة البيئية” الناتجة عن تفاعل ثلاثةِ أبعاد؛ تراجع المعروض (Supply-induced scarcity)، زيادة الطَّلب (Demand-induced scarcity)، فضلاً عن عدم المساواة البنيوية في الوصول الى الموارد (Structural scarcity). يتطابق هذا الإطار مع الحالة العراقية؛ حيث لا يؤدي هذا التَّفاعل بالضرورة إلى العُنف تلقائياً، لكنه يرفع بدرجة خطرة من احتمالات حدوثه، عندما يتزامن مع ضعف الدَّولة وفساد المؤسسات وتآكل سُبل العيش، ما يخلق انماطاً من “الهامشية البيئية” و”الاستحواذ القَسْري على الموارد” بوصفها “استراتيجيات بقاء”.

بدوره، يُقدّم فيليب لو بيلون (Le Billon, 2001; 2012)5 إطاراً سياسياً – بيئياً، يربط النِّزاع ليس بالندرة فحسب، بل بالجغرافيا السِّياسية للموارد: من يُسيطر عليها؟ كيف تُدار؟ وما مدى قابليتها للتَّسييس والتَّسلح؟ بناءً على منظار لو بيلون، فإن الموارد الطَّبيعية تُصبح مُحفزاً للنِّزاع عندما تتقاطع مع علاقات القوة، ضعف الحوكمة، وانتشار السِّلاح. هذا المنظار يبدو مُنسجماً مع مع الحالة العراقية. حيث يتزامن الجَّفاف مع اقتصاد سياسي ريعي، يستهدف التَّوسعة الزَّبائنية في مجتمع يعجُ بفئات مُهمَّشة ذات قابلية عالية على التَّسلح، يُمكن أن تَتبنى خيار العُنف دفاعاً عن اصولها البيئية والاقتصادية.

في السِّياق العراقي، يتم تبني استراتيجيات بقاء عنيفة، سواءً من طرف المُجتمعات المُتضررة، أو من طرف السُلطات الحكومية التي تحاول التَّخفيف من الاثر المتنامي للندرة عبر مزيدٍ من اجراءات “الضَّبط الامني”، او الحرمان العام دون ايجاد بدائل، ما يُفاقم الفقر ومُسببات العُنف والنزوح والهجرة.6

تؤكد الدِّراسات المُقارنة المُتصلة بالبيئة والعُنف، أن العلاقة بين التَّدهور البيئي والنِّزاع مشروطة بالسِّياق (Context-dependent)7. إذ تتعاظم في البيئات التي تعاني من الفقر والبطالة والتَّهميش السِّياسي وانعدام الثقة بالمؤسسات (Ide et al., 2021؛ Mach et al., 2019). بالتالي، لا يُفهم العُنف المُرتبط بالبيئة بوصفه نتاجاً لها وحدها، بل لتفاعلٍ معقّدٍ بين البيئة والهشاشة المؤسسية.

في النَّموذج العراقي، تتقاطع هذه الأطر النظرية مع واقع يتّسم بالاعتماد على اقتصاد ريعي نفطي أُحادي، وسياسات مركزية تميل إلى تفكيك الاقتصاد الرِّيفي، تحت ضغط الشح المُتزايد في المياه وتَّوسع الصِّناعة النفطية. يأتي مُتزامناً مع سياق ضعف قدرة الدَّولة على تنظيم تحقيق العدالة في الوصول الى الموارد، او التَّفاوض بفعالية لضمان حصص مائية عادلة من دولتي المنبع تركيا وايران، فضلاً عن تآكل آليات التَّحكيم الأهلي التقليدية وغياب التَّقاضي البيئي المؤسسي. بالنتيجة؛ تُصبح النِّزاعات البيئية الوطنية مُرشحة للتحول إلى نزاعات عنيفة واسعة النِّطاق في العقدين المقبلين، قد تنطلق من حوادث هامشية صغيرة مثل حادثة “سيبه خان”، أو احتجاح سُكان بلدة صغيرة، لتتطور الى صراعات وجودية واسعة النِّطاق وطويلة الأمد حول الماء والأرض والمرعى. 

3. البيئة وصناعة أنماط جديدة من العُنف الجماعي في العراق

يَتطلَّب فهم النَّموذج العراقي، رفض المُقاربات الاختزالية الشَّائعة التي تُحمِّل “التَّغير المناخي” وحده مسؤولية التَّدهور البيئي وعواقبه في البلاد، لما ينطوي عليه ذلك من تبسيطٍ مخلّ لطبيعة الازمة المُركَّبة وتشابك عواملها البنيوية. علاوةً على ذلك، تستخدم الحكومة العراقية، المفهوم العام وغير المُحدد لـ”التَّغير المناخي” في تسويق سرديتها، التي يُمكن تسميتها بـ”العقيدة البيئية المُضلِّلة”8 القائمة على أساس الاعتراف بالأزمة المناخية بوصفها ظاهرة عالمية مُجردة، مع إنكار المُسببات البيئية المحلية، ولاسيما آثار القطاع النفطي وفشل السِّياسات المائية. بدلاً من ذلك، تقترح الورقة مفهوم “حِدَّة الأثر البيئي” (Environmental Impact Intensity) بوصفه إطاراً مُركباً وتفاعلاً بنيوياً بين عدة عوامل مُتداخلة. فضلًا عن كونه انعكاساً لـ”قياس الآثار” (measuring impacts) و”قياس التَّعرض” (measuring exposure). يتكون المفهوم من خمسة مُحددات رئيسة [الرسم رقم 1]:

(1) التَّغيرات المناخية المُتعددة الأوجه (2) ندرة المياه وسياسات تجفيف الموارد الهيدرولوجية (3) الفقر والهشاشة الاجتماعية العامة (4) التَّوسع المُفرط وغير المُنضبط للصناعة النفطية وحرق الغاز (5) ضعف الحوكمة المائية والبيئية

تآكل الاقتصاد الرِّيفي في العراق

وفقاً لهذا المنظور، لا يُفهم التَّغير البيئي بوصفهِ عاملاً سببياً مُنفرداً، بل كمحصلة تراكمية لضغوط مُتشابكة، تُعيد تشكيل شروط انتاج الهشاشة والعُنف. العوامل الخمس، تَتَفاعل ضمن سياق سياسي – اقتصادي ريعي ذي أبعادٍ أمنية، بما يجعلها تُنتج مُحركاتٍ جديدةٍ للعُنف الأهلي الجَّماعي؛ أشدُ خطورةً، وأكثر تعقيداً وانتشاراً، ومختلفة بُنيوياً عن ديناميات التَّنازع الطَّائفي والعرقي التي سادت ما بعد 2003. إذْ لم تعد الضغوط البيئية مُجتمعةً أو مُنفردةً، عاملاً ثانوياً ضمن فضاء النِّزاع، بل تحوَّلت بغضون السَّنوات القليلة الاخيرة، الى مُحفزٍ وطنيٍ عابرٍ للهويات، والعامل الابرز الذي يُهدد السِّلم الاهلي والاستقرار الوطني، وسُبل العيَّش الهشَّة للمُجتمعات المُحلية في انحاءٍ البلاد المُختلفة؛ ما يُغذي ديناميات الصِّراع الاجتماعي وعدم الاستقرار، ويُجسد ما وصفته خطة التَّنمية الوطنية (2018 – 2022) بـ“دائرة العلاقة السِّلبية المُزدوجة بين تدهور البيئة والنِّزاعات المسلحة”9.

مع تآكل قدرة الدَّولة العراقية على إدارة الموارد والثَّروة الوطنية والخدمات الأساسية بعدالة وفعالية؛ يتحول التَّدهور البيئي إلى أشد مُضاعِفات الهشاشة العامَّة؛ مُحفِزاً تنامي الصِّراعات المحلية، لا سيما في المناطق الرِّيفية والهامشية ومناطق الاستخراج. يتنامى ترابط “النِّزوح” الدَّاخلي المُتزايد نحو المُدن والمناطق الحضرية10 وموجات الهجرة الخارجية من جهة، مع “الفقر” النَّاتج عن الجَّفاف والتَّصحر وفقدان سبل العيش وانعدام الخدمات من جهة أخرى11. يُشدد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) لعام 2022، على الاواصر القوية بين التَّغيرات البيئية والمناخية وبيّن تصاعد التَّوترات الاجتماعية، من خلال زيادة مخاطر الصَّدمات المرتبطة بالجفاف وشحّ المياه وانعدام الأمن الغذائي، لا سيما في الدِّول التي تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية وضعف حوكمة، مثل العراق12.

مؤشرات بيئية مُقلقة

تراجع العراق الى المرتبة (172) على مؤشر الاستدامة البيئية (EPI) من أصل 180 دولة لعام 2024، بتصنيف متدنٍ للغاية عند (30.3 نقطة)13، وضع البلاد ضمن أسوأ 5٪ عالمياً. بموازاة مؤشر نوتردام العالمي للتَّكيف (2023-ND-Gain) الذي يُدرج العراق في المرتبة 120 من أصل 187 دولة14، كأكثر منطقة تعاني ضعفاً وهشاشة بيئية، بما يتقاطع مع تصنيف (IPCC)، الذي اعتبر البلاد من بين أكثر خمس دول في العالم عرضة لآثار المُتغيرات المناخية15. مُقارنة بالارتفاع المُتوقع لدرجة حرارة الكوكب المُقدرة خلال العقدين المقبلين بـ (1.5 م°)، سترتفع حرارة العراق في الفترة ذاتها، بمعدل درجتين مئويتين16. بيّنما يَعتبر تقرير الأمم المتحدة لتوقعات البيئة العالمية (GEO-6)، إنَّ التَّغير الحراري العراقي سيكون أسرع بسبع مرات من متوسط المعدل العالمي17. اضافة الى ذلك، التَّناقص المتسارع في الأصول المائية، وضع العراق في المرتبة 39 كبلد مُجهد مائياً (Water Stress Index)، عند مستويات النُّدرة الخطيرة بـ(3.7) نقطة من اجمالي نقاط المؤشر البالغة خمس نقاط. بينما في 2040، فإن النُّدرة ستصل الى (4.6)18، ما يعني جفافاً تاماً وشمساً مُحرقة وبيئة سامة.

التَّدفقات الاقليمية المُغذية لنهري العراق التَّاريخيين، دجلة والفرات، تناقصت الى أقل من عشرة أضعاف في مئة عام، حتَّى باتت البيئة الوطنية على وشك الانهيار. فبعد أن سُجل في العام 1920 تدفقاً بـ 1350 م³/ ثانية، بات اقل من 100 م³/ ثانية في العام 2025، لاسيما منذ بدء دولتي المنبع، تركيا وإيران، باحتكار المصادر الهيدرولوجية ما بعد 2003. تناقصت الأصول المائية العراقية، من 119 مليار م³/سنة في العام 1954، إلى العتبة الحمراء للفقر المائي بحوالي 26.05 مليار م³/سنة في العامين الاخيرين (2024 – 2025) وفقاً لوزارة الموارد المائية. بينما سَجَّل خزين الطوارئ المائي، انخفاضاً تاريخياً هو الادنى منذ 80 عاماً19، بنسبة انخفاض تقارب 95% خلال خمسِ سنواتٍ فقط، من 60 مليار م³ في العام 2020 الى اقل من اربعة مليارات م³ أواخر العام 202520. ما يعني انهياراً مائياً شبه كامل بمعايير الهيدرولوجيا والسِّياسات العامة. 

يُصنَّف العراق كثاني أكبر دولة في العالم حرقاً للغاز بعد روسيا، بما يعادل 17.7 مليار م³ من الغاز في العام 202321، وزاد الى 18 مليار م³ في العام 202422، بما يعادل حوالي 300,000 برميل من النفط يومياً23، مُقترناً بأعلى مستوى من انبعاثات كربونية ومشاكل جودة هواء خطيرة، بما جعل العراق مسؤولاً لوحده عن حوالي 13% من كمية الغاز المحروق عالمياً24، مُشكلاً انبعاثات غازية جوَّالة تُهدد البيئة الوطنية والاقليمية، مع مؤشرات مؤكدة بتدهور واضح في الصحة العامة للرأس المال البشري خصوصاً في البصرة وعموم جنوب البلاد25. مع ذلك، يُعزز العراق سرْديته على انه أشد المعارضين من بين منتجي النفط الدَّوليين لمقترحات “خفض أو التخلص التدريجي” من الوقود الأحفوري الذي طرحته الاتفاقية النهائية لمؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ بدءاً من (COP 28)26، أو حتَّى القبول بآليات خفض الانبعاثات عبر توسعة استخدام “الوقود الاخضر”27.

هذه المؤشرات المُقلقة، تضع العراق في قلب التَّأثيرات العنيفة للتَّطرف الحراري والنُدّرة المُطلقة للمياه، التي ستؤدي في العقدين المقبلين الى جعل العراق بيئة غير قابلة للحياة، نتيجة الزِّيادة المُفرطة بدرجات الحرارة، قلة الأمطار، نقص المياه السَّطحية والجوفية، اشتداد العواصف الغُبارية، الجَّفاف والتَّصحر، ما يعني تراجعاً زراعياً وتحطماً لسلاسل الغذاء، وتزايداً لأنشطة حكومية وبشرية ضارة بهدف تقليل آثار نُدرة المياه والتدَّهور البيئي28. وفي حال تُرك كل ذلك دون معالجة، سيزيد من مخاطر الفقر وانعدام الأمن الغذائي وفقدان التَّنوع البيولوجي وتحطم الموائل الزِّراعية التاريخية29 ما يؤدي الى موجات من النزوح والهجرة القسرية، تدني مستويات الصحة العامة30، تزايد العُنف وانعدام الاستقرار بفضل الصراع الجماعي للاستحواذ على المياه. خلال فترة الاستقرار الأمني النِّسبي التي تلت القتال الاهلي في العراق (2006 – 2007) وسبقت ظهور تنظيم “داعش (2014)، شهدت العاصمة بغداد، والتي تُعتبر غنية مائياً، مواجهات واشتباكات شبه يومية حول مصادر المياه، انخرط فيها أفراد وعشائر، في 38 موقعاً ما بين عامي 2012 و2013، وفقاً لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)31.

4. الدِّيناميات المُعززة للعُنف والصِّراع الجَّماعي

تُعد حقائق التَّدهور، إنذاراً معيارياً بيئياً حاداً، ومؤشراً مُقلقاً على هشاشة مُركبة تنعكس مباشرةً على الأمن الاجتماعي، الذي يتقاطع مع بُنية حُكم تعاني فشلاً مُزمناً، وبيروقراطية مُترهلة غير مُنتجة وضعيفة الكفاءة، يُغذيها تنافس شره على سُلطة تُدار بـ”المُحاصصة”، وسط تفشي الفساد والزَّبائنية الرَّيعية. علاوةً على ذلك، البُنية الوطنية الهشَّة تؤطر بضعف الحوكمة الامنية المؤسسية، التي غالباً ما تُوجَّه أدوات الضَّبط الأمني نحو قمع المُطالبات الشَّعبية وإزالة “التَّمردات المحلية”، بدلًا من اتباع سياسات تخفيف تنموية استباقية، أو الحد من تنامي نفوذ الفصائل والعشائر المسلحة التي تنخرط في ممارساتٍ مؤذيةٍ للبيئة المحلية.

في ظل اشتداد النَّقص المائي عاماً تلو آخر، اتجهت السِّياسات العامة نحو “إدارة الكوارث” بدلاً من “إدارة المخاطر”32، لتفادي نقمة سُكان المُدن والموائل الحضرية، الذين يشكلون الكتلة التصويتية الأكبر في الانتخابات (نحو 70.3% من السُّكان وفق إحصاء 2024)33، بما يُمثل ايضاً البُنية الزَّبائنية التي يسعى النِّظام السِّياسي عبرها الى تثبيت نفسه بقوة. بيّنما تراجعت نسبة سُكان الرِّيف الى (29.7%)، بما يعكس انهياراً مُتسارعاً للبُنية الإنتاجية خارج الاقتصاد النفطي الرَّيعي، وتراجعاً حاداً في مساهمة القطاع الزِّراعي وسلاسله الإنتاجية.

تعرضت المُجتمعات الرِّيفية، الى تدميرٍ متواصلٍ لبيئاتها الاقتصادية وموائلها الثَّقافية التَّاريخية34، عبر ارغامها التَّخلي عن اراضيها لصالح توسع الصناعة النفطية، فضلاً عن تطبيق سياسات الضغط على الموارد، لتفادي الشِّحة المائية القاصمة إزاء عجز حكومي مفرّط35، وغياب رؤية وطنية شاملة لإصلاح الإدارة المائية، والذي يبرز قبالته الفشل الوطني في مواجهة “التجريد المائي” والسِّياسات شديدة الاعتداء من طرف دولتي المنبع تركيا وايران، على حقوق العراق المائية.

يُرجَّح خلال العقدين المُقبلين، إن يتطور المسار الحالي للصِّراعات البيئية الوطنية الى أشْكالٍ مُعقدةٍ من “العُنف الجَّماعي” المُرتبط بالمياه والأراضي وتآكل سُبل العيش، مُحفزاً انماطاً من “الاستجابة” و”المقاومة” قد تمتد لعقودٍ من عدم الاستقرار. إذْ سيلجأ المُتضررون الى اتباع المزيد من الوسائل العُنفية لمواجهة أشكال التَّدهور البيئي ومقاومة المُعالجات السُلطوية القائمة على ضبط “التَّمردات” وترشيد استخدام الموارد. 

التَّداخل البنيوي والتَّرابط الوثيق ما بيّن “حِدَّة الأثر البيئي”، وتراجع قُدرة المُجتمعات المحلية على الاستقرار، يُحوّل الحالة العراقية إلى بؤرة مرتفعة المخاطر، يزدهر فيها “مجتمع مُسلّح” فتي، مُتناقص الموارد، وعالي القابلية للتعبئة العنيفة. يضع هذا المسار، العراق،  في صلب أجندة الأمن المناخي الدولية، بما يَستدعي تصميم سياسات استباقية تُحفّز السُّلطات الوطنية على تبني معالجات مسؤولة ورشيدة، تهدف إلى خفض التَّوتر، والحفاظ على السِّلم الأهلي، وتحقيق عدالة توزيع الثروات، بوصفها ركائز للاستقرار طويل الأمد.

تَكمن خطورة العُنف الجَّماعي المرتبط بالتَّدهور البيئي، في التَّحولات التي تطرأ على أنماط الاستجابة الجَّماعية في البيئات المُتضررة، حيث تكتسب الفواعل المحلية [المُجتمع المُسلّح]، قدرة مُتزايدة على توظيف الخبرات التَّنظيمية والعُنفية في الدِّفاع عما تبقى من الموارد الحيوية. تتجلى الاستجابة في تكيّفٍ عالي المخاطر مع الضغوط البيئية، سواءً عبر الدخول بعلاقات تصادمية مع الدَّولة، أو من خلال صراعات داخلية بينية، بهدف حماية الأراضي والحيازات المائية والزِّراعية، والحفاظ على أصول الإنتاج وأنماط التَّوطن التَّقليدية التي نشأت واعتمدت تاريخياً على القرب من مصادر المياه.

في المقابل، تُفرِط الدَّولة في استخدام أدوات العُنف المؤسسي، لفرض إجراءات الضَّبط وإدارة الأزمة البيئية وتنظيم الوصول إلى الموارد وترشيد استخدامها، دون مُعالجةٍ كافية لأبعاد التَّدهور الاجتماعية والاقتصادية. تميل الدَّولة الى انتاج مقاربة امنية فوقية تستهدف تطويع المجتمع الأهلي بدل إشراكه في سياسات التَّكيف. نتيجة لذلك، يُنتج عن الصِّدام بين القوتين المتنافستين: العُنف المؤسسي الحكومي وما يُقابله من العُنف المُجتمعي المُتكيّف، ديناميات صراع مُدَمرة، تُقوّض فعلياً فرص التكيّف المناخي الفعّال، وتحد من امكانات الاستقرار، وتحول إدارة المخاطر البيئية إلى معضلة أمنية، بدلاً عن احتوائها كمسار تنموي قابل للتحقق. في هذا السِّياق، تُفهم النزاعات بوصفها عملية اجتماعية – سياسية تراكمية، تتغذى على الهشاشة العامة وتعيد إنتاجها ضمن حلقة سببية مغلقة هي «حِدّة الأثر البيئي» [الرسم رقم 2].

تآكل الاقتصاد الرِّيفي في العراق

تحليل مخطط: مُحركات التدهور البيئي والعُنف الجماعي في العراق

يُوضح المُخطط مساراً سببياً مُتدرجاً يربط ما بين «حِدَّة الأثر البيئي» وتصاعد العُنف الجَّماعي واعادة تشكيل شروطهما في العراق. إذْ إنَّ تصاعد «حِدَّة الأثر البيئي» يقود إلى تآكل سُبل العيش، لا سيما في القطاعات الزِّراعية والرِّيفية، ما يُعمّق الهشاشة الاجتماعية والتَّهميش الاقتصادي. وفي ظل هذا الاختلال البنيوي، تميل المجتمعات المحلية إلى تبنّي استراتيجيات تكيّف عالية المخاطر، من بينها عسكرة المجتمع، بوصفها آلية بقاء قسْرية في مواجهة فقدان الموارد وانسداد الأفق الاقتصادي. لذا تنبثق عن هذا المسار، أنماطاً من العُنف الجَّماعي التَّكيفي، بالتَّوازي مع تصاعد موجات النزوح والهجرة القسْرية، بما يعيد إنتاج الصِّدام المُباشر مع الدَّولة.

في المقابل، تَستجيب الدَّولة غالباً عبر تسييس الأمن وتكثيف العُنف المؤسسي لإدارة الأزمة البيئية وضبط الوصول إلى الموارد. يؤدي هذا التَّصادم بين “العنف المجتمعي المُتكيف” و”العنف المؤسسي الحكومي” إلى إنتاج حلقة مُغلقة من إعادة إنتاج العُنف، تُفاقم بدورها التَّدهور البيئي وتُعمّق عدم الاستقرار طويل الأمد. بذلك، العُنف النَّاجم عن البيئة في العراق، لا يُفهم بوصفه حدثاً طارئاً، بل كعملية اجتماعية – سياسية تراكمية تتغذى على الهشاشة وتعيد إنتاجها ضمن مسار سببي دائري.

أخيراً، يؤطر المُخطط هذه الدِّيناميات ضمن سياق بنيوي أوسع تحكمه محددات هيكلية، أبرزها الاقتصاد الرَّيعي النفطي، الفساد والزبائنية، المُركزية المُفرطة، ضعف المؤسسات، والاختلالات التاريخية في توزيع الموارد. وبناءً عليه، تتحول الأزمة البيئية من مسألة تقنية إلى أزمة أمن اجتماعي وسياسي تُهدد تماسك المُجتمعات المحلية واستقرار الدَّولة على المدى الطويل، ما يستوجب ضرورة تبنّي سياسات استباقية شاملة تعالج جذور الهشاشة بدل الاكتفاء بإدارتها أمنياً.

5. التَّكيف العنيف: الفقر والنزوح في ظل حِدَّة الأثر البيئي

ارتبطَ تشكّل الدَّولة والمجتمعات في العراق تاريخياً بالحركة السُّكانية الكثيفة في حوض نهري دجلة والفرات، وبشبكة الرَّوافد والشطوط والبحيرات والأنهار الصَّغيرة المُتفرعة عنهما داخل الأراضي الوطنية، وهو ما تؤكده دراسات الأنثروبولوجيا التاريخية حول النَّشأة الاولى للمجتمعات الزِّراعية في وادي الرافدين36. أسهمت الوفرة المائية في استقرار الجَّماعات العراقية، ورسمت الحدود الأولى للتَّوطين والإنتاج وتكوين البُنى السِّياسية المُبكرة، حيث مثّل التَّحكم بالمياه أساساً لنشوء السُّلطة والتنظيم الاجتماعي37. إلا أنّ التَّسارع المُتزايد في جفاف النَّهرين واتساع الفقر المائي في العراق، ولا سيما في المناطق الجنوبية، يُعيد إنتاج أنماط تاريخية من الصِّراع على الموارد، تُذكّر بنزاعات تعود إلى ما يقارب أربعة آلاف عام في السَّهل الرِّسوبي المُكتظ بالسُّكان. 

يُعدُّ الصِّدام بين دولتي أوما ولگش (الألفية الثالثة ق.م)، أحد أقدم النِّزاعات الموثَّقة في التاريخ حول المياه والأراضي الزِّراعية الخصبة، حيث تُشير النصوص المسمارية إلى أنّ جوهر الصِّراع تمحور حول السَّيطرة على قنوات الرَّي والأراضي المروية38. تقع أراضي هاتين الدولتين اليوم ضمن الحوض الممتد بين محافظات ذي قار وميسان والمثنى، ما يمنح هذا المثال التاريخي دلالة جغرافية مباشرة على استمرارية الصِّراع المائي في الفضاء العراقي نفسه عبر آلاف السنين.

في نموذج الإنتاج العراقي، يلعب الاقتصاد الزِّراعي المُتوارث دوراً حاسماً في تعزيز السِّلم الأهلي، وضبط آليات تقاسم الثَّروة والموارد داخل المُجتمعات المحلية. كما يشكّل هذا النمط الإنتاجي التَّشاركي ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي، إذ يحدُّ من نزوح الأفراد والكُتل الرِّيفية نحو أراضٍ مملوكةٍ لعشائر أو مُلاكٍ آخرين، أو نحو مناطق تختلف أنماطها الثَّقافية والاجتماعية المُستقرة عن طبائع النازحين والوافدين الجُدد، لا سيما الحضرية. يختلف التَّنظيم الاجتماعي في المُدن جذرياً عن نمط التَّنظيم الرِّيفي القائم على العصبية القبلية وروابط العشيرة والارتباط بالأرض، وهو اختلاف غالباً ما ينتج عنه توترات، عندما يُفرض انتقال قسْري أو اقتصادي غير مُنظَّم من الرِّيف إلى الحضر.

تُشير دراسات ما بعد عام 2003، إلى أن النِّزوح الرِّيفي – الحضري في العراق لم يكن سببه التَّبدل الثَّقافي الطبيعي، او نتيجةً للانتقال الطَّبقي المُرتبط بتغيّر أنماط الإنتاج، بل نتاجاً تراكمياً للعُنف المُسلح، انهيار الزِّراعة، وشح الموارد المائية39. إذْ تزايدَ الاستيطان العشوائي على أطراف المدن الكبرى أو داخلها، بما أنتج أنماطاً جديدة من الفقر الحضري والهشاشة الاجتماعية40. وتفترض “رؤية العراق للتنمية المستدامة 2030″، إنَّ “الهجرة الرِّيفية ادت إلى ظهور العشوائيات على أطراف المدن، فضلاً عن أن المناطق الداخلية التي هجرها سكانها باتجاه الضواحي تحولت إلى مناطق مُتخلفة [تنموياً]”41. وفقاً لوزارة التخطيط، بلغ عدد التَّجمعات العشوائية 4679 تجمعاً في عموم العراق42، يقطنها نحو 8٪ من اجمالي السُّكان، بما يُعادل قرابة 3.7 مليون نسمة43. فالعائلات التي كانت تزرع أراضيها لأجيال بات تنتقل بشكل مُتزايد إلى المدن، التي باتت تواجه بدورها تدفقاً يفوق قدراتها الخدماتية على استيعاب كُتل نازحة كبيرة، ما يؤدي إلى نشوء أحياء فقيرة ذات ظروف معيشية سيئة44. تُنوه وزارة البيئة، الى إنَّ “النزوح البيئي الداخلي قد يكون مبرراً للنزوح الخارجي”، مُشيرة الى موجة نزوح من مناطق الاهوار في العام 2023، قاربت 68 ألف أسرة. مُحذرةً من مخاطر اجتماعية مُحتملة، تُنذر بـ”نشوء عشوائيات جديدة، ازدياد مُعدلات الطلاق، ارتفاع مؤشرات الفقر، تنامي حالات تعاطي المخدرات والعصابات المنظمة، فضلاً عن استقطاب النازحين بيئياً من قبل جماعات إرهابية، نتيجة فقدان سُبل العيش”45.

الكُلفة الإنسانية للنزوح البيئي والهجرة الخارجية

يُعرَّف “النزوح البيئي” بوصفه انتقالاً قسْرياً للأفراد أو الجَّماعات نتيجة التَّدهور البيئي، أو الكوارث الطبيعية، أو تغيّر المناخ، بما يشمل الجَّفاف، التَّصحر، تملُّح التربة، وانهيار الموارد المائية، فضلاً عن التلوث. ولا يُنظر إلى هذا النوع من النزوح باعتباره حدثاً طارئاً، بل مساراً بنيوياً طويل الأمد يُعيد تشكيل البُنى الاجتماعية والاقتصادية وأنماط العيش، ويؤثر بصورة مباشرة في ديناميات الاستقرار والأمن46. في السِّياق العراقي، يتقاطع النزوح البيئي مع ضعف الحوكمة المائية، هشاشة الاقتصاد الرِّيفي، وتراجع الدَّعم الزِّراعي، ما يحوّله من أزمة إنسانية إلى عامل مُضاعِف للصِّراع وعدم الاستقرار.

تُشكل البيئات الزِّراعية والرِّيفية البُنية الرَّئيسة لمصفوفة “النزوح البيئي” في البلاد، بوصفها المُجتمعات الأكثر فقراً وهشاشةً وتعرضاً للبطالة. إذْ توقع مسؤولو الحماية الاجتماعية، ارتفاعاً في نسبة الفقراء والنازحين والمهاجرين اقتصادياً من المحتاجين للدعم المالي ضمن برنامج الاعانة الحكومية إلى 8 ملايين شخصاً ابتداءً من العام 2023.47 يُرجَّح إن يُقلص الجَّفاف الطَّلب على الأيدي العاملة غير الماهرة بنسبة 11.5% في الأمد المتوسط48، ما يُفاقم هشاشة سُبل العيش. بالاتجاه نفسه، نوَّهت (FAO) أن ندرة المياه ستسبب بخسائر اقتصادية تقدر بـ 6 إلى 14% من النَّاتج المحلي الإجمالي لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا – بضمنها العراق – في الاعوام العشرين المُقبلة، وهي أعلى المعدلات عالمياً49.

التَّدهور البيئي المُستمر قد يدفع النازحين بيئياً إلى تبنّي استراتيجيات بقاء محفوفة بالمخاطر، من بينها الانخراط في الاحتجاجات، أو النزاعات المحلية ذات الطَّابع العشائري، في ظل ضعف مؤسسات الدَّولة وتآكل آليات فض النِّزاعات سلمياً. كما يجعلهم أكثر عرضة لمحاولات الاستقطاب من قبل جماعات مسلحة. بهذا المعنى، لا يعمل التَّدهور البيئي كعامل إنساني فحسب، بل كمحرّك سياسي–أمني يمكن أن يقوّض مكاسب التَّنمية، ويؤثر في ديناميات الصِّراع، ويعطّل عمليات السلام الهشّة50.

خلال العقدين الأخيرين، أدّى تغيّر النَّشاط الاقتصادي لفئات واسعة من الشباب المُصنّفين كعمالة غير ماهرة، ممن لا يمتلكون تعليماً يؤهلهم لوظائف حكومية مُستقرة، بالتَّزامن مع تقلص فرص العمل وتدني الأجور في القطاع الخاص، الى انخراطٍ مُتزايدٍ في «اقتصاد العُنف». ويُقصد به: منظومة الأنشطة الاقتصادية المُرتبطة بالعُنف المُنظم، حيث تتحوَّل الجَّماعات المُسلحة إلى فاعلية اقتصادية توفر فرص عمل بديلة في بيئات تعاني من انهيار الاقتصاد النِّظامي. عند هذه النقطة؛ يتقاطع السِّياق العراقي مع أطروحات مايكل واتس (Michael Watts) حول «اقتصاديات الصِّراع»51، وتحليلات فيليب لو بيلون (Philippe Le Billon)52، التي ترى أن الموارد والهشاشة البنيوية تنتج أسواقاً موازية للعُنف تُدار بوصفها نمطاً للعيش لا يتطلب مهارات أو تعليماً رسمياً.

تنتشر ظاهرة التَّخلف عن التعليم على نطاق واسع في العراق. أشارت اليونيسف في العام 2021، إلى 3.2 مليون طفل خارج المدارس53. في المناطق الشمالية، أدت ظروف الحرب على الارهاب وقتال “داعش” الى حرمان مليون طفل من التعليم54. الإحصائية الأحدث لوزارة التربية، وجدت 238 ألفاً و462 طالباً مُتسرباً جديداً55، من بينهم 8 آلاف طالب خرجوا من الدِّراسة خلال عام واحد في ذي قار، بسبب النزوح والنزاع العشائري وشحة المياه والتَّصحر، والاضطرار لاعالة أسرهم مادياً56. بينما أشار المسح الوطني للیافعین وللشباب لعام 2019، إن نسبة المُتسربين من الدراسة للأعمار ما بين (10 الى 14 سنة)، من اجمالي نسبة شباب العراق اليافعين كافة (41%)، بلغت 53.6%.57

يتجلّى هذا المسار بوضوح في ظاهرة تجنيد الأطفال من قبل فصائل مُسلحة شيعية58، و”داعش” وحزب العمال الكردستاني59، وتجربة قتال العراقيين البالغين في سورية60 واليمن61، وفي إطار “الحشد الشعبي” داخل العراق، فضلاً عن تجنيد المزارعين المحليين في أعالي حوضي دجلة والفرات من قبل تنظيم “داعش”62، وصولاً الى مشاركة آلاف الشُبان العراقيين في الحرب الروسية–الأوكرانية63. تُبرهن هذه النَّماذج، تحوّل الهشاشة الاقتصادية الناتجة عن التَّدهور البيئي إلى مسارات عنف محلية او عابرة للحدود. في السِّياق الداخلي، تميل العائلات النازحة بيئياً والهشة اقتصادياً في المناطق الوسطى والجنوبية الى تجنيد أفرادها في قوات الأمن الرسمية أو الجماعات المسلحة بمستويات أعلى من غيرها، وفقاً لمسح اجتماعي لعينة عشوائية تمثل غالبية السُّكان والمقيمين في البصرة العام 2021، لرصد موجات “النزوح البيئي” من أرياف المحافظات المجاورة (ميسان وذي قار)، إنَّ ما نسبته 15٪ من العائلات النازحة المُصنفة «مُستقرة»، و9٪ من العائلات الرِّيفية الوافدة تواً، لديها أفراد مُجندون في الاجهزة الأمنية – العسكرية الرَّسمية او الجَّماعات المُسلحة64.

منذ صيف 2018، شرعت منظمة الهجرة الدولية (IOM) في العراق، بإنتاج مصفوفات مُتخصصة لرصد النزوح المُرتبط بالعوامل البيئية وندرة المياه. أكدت المنظمة في عام 2019 نزوح 21,314 فرداً من 145 موقعاً نتيجة شح المياه وارتفاع الملوحة في تسع محافظات وسطى وجنوبية65. في آذار/ مارس 2022، سجلت IOM نزوح 20,148 فرداً، من بينهم 25 عائلة اضطرت إلى النزوح بسبب قتال قبلي على المياه، فضلًا عن حركة سكانية واسعة ناجمة عن جفاف الأهوار، بلغت نسبتها 81% في ذي قار، و33% في ميسان، و12% في البصرة66. ما بيّن عامي 2022 و2023، وثّق مركز رصد النزوح الداخلي (IDMC) نزوحاً مؤقتاً لما مجموعه 770,000 شخص نتيجة التَّعرض للفيضانات والتغيرات المناخية المتطرفة.

قبل ذلك، في عام 2012، رُصد نزوح نحو 20,000 فرد من التَّجمعات الزِّراعية67، فيما أكدت يونسكو نزوح أكثر من 100 ألف شخص من سكان شمال العراق بين عامي 2005 و2009، بسبب النَّقص الحاد في الموارد المائية68، ما يشير إلى أن النزوح البيئي ظاهرة وطنية تتجاوز الإقليم الجنوبي وحده.

تُشير أحدث مصفوفة لتتبّع النزوح المرتبط بالعوامل المناخية (IOM/DTM)، والتي تغطي الفترة ما بيّن (2018 – 2025)69، قام باستخراجها الباحث من البيانات التَّراكمية للمنظمة الدولية للهجرة في العراق، إلى نزوح 35,458 أسرة بسبب الجَّفاف والتَّصحر وتملّح المياه في وسط وجنوب العراق، بما يعادل 212,748 فرداً، بمتوسط 6 أفراد لكل أسرة، موزعين على 12 محافظة [الجدول رقم 1]. في المقابل؛ سجّلت وزارة الهجرة والمهجرين عن نزوح 17,367 عائلة ما بين (2021 – 2025)70، بما يعادل 104,202 فرد من سبع محافظات وسطى وجنوبية [الجدول رقم 2].

تآكل الاقتصاد الرِّيفي في العراق
تآكل الاقتصاد الرِّيفي في العراق

ما يتعلق بالهجرة الخارجية، كشف المنسق المقيم للشؤون الإنسانية في العراق، غلام محمد إسحق زي، إنَّ 7.5% من الأسر المشمولة برصد النزوح البيئي غادرت البلاد71. جزء من عينة المهاجرين بيئياً (7٪)، افادوا بأنَّهم تعرّضوا لنزوح داخلي قبل هجرتهم إلى الخارج، في حين كانت النسبة أعلى بكثير بين المهاجرين المُحتملين (29%)72

بغياب الإحصاءات الحكومية عن هجرة الشباب العراقيين الى الخارج، أظهر رصد لمنظمة (لوتكه) غير الحكومية المهتمة بشؤون الهجرة في العراق، تصاعداً مُستمراً لهجرة الشباب عاماً تلو آخر. إذ غادر نحو 31,420 شخصاً البلاد في العام 2025، شكّل سكان المنطقة الفيدرالية في شمال العراق ما يقارب 70% منهم73. غالبية المهاجرين تقع ضمن الفئة العمرية 18–35 عاماً. المنظمة ايضاً قالت إنَّ عدد طالبي اللجوء من العراق في أوروبا، في السنوات العشر الماضية تجاوز 794,000 شخصاً. تعكس هذه البيانات، تحوّل الهجرة إلى استراتيجية بقاء أساسية لدى الشباب في ظل محدودية فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

يؤشِّر التوزيع الجغرافي لاحصائيتي  IOM/DTMو وزارة الهجرة العراقية، إن محافظات السَّهل الرِّسوبي الزِّراعي باتت تمثل بؤراً رئيسة للنزوح البيئي، نتيجة تقاطع الجَّفاف وتراجع مناسيب الأنهار وملوحة التربة مع ضعف السِّياسات المائية والدَّعم الزِّراعي. علاوةً على ذلك، تُظهر هذه البيانات بوضوح، كيف تحوّلت أزمة المياه من مُشكلةٍ بيئيةٍ إلى مُحرّكٍ مباشرٍ لإعادة تشكيل الخريطة السُّكانية، مع انتقال العائلات من المناطق الزِّراعية إلى أطراف المدن بحثاً عن مصادر مياه وخدمات بديلة وفرص عمل، ما يُفاقم الضغط على البنى التحتية الحضرية الهشّة أصلاً.

تحليل هذه المؤشرات مُجتمعةً يُظهر أن النزوح البيئي في العراق لم يعد حدثاً طارئاً أو استجابة ظرفية لأزمات مؤقتة، بل بات مساراً هيكلياً طويل الأمد، يُعيد إنتاج الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية. فالعائلات النازحة غالباً ما تنتقل إلى مناطق تفتقر إلى فرص العمل والخدمات الأساسية، ما يدفعها إلى الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي أو الاعتماد على المساعدات. يزيد ذلك، من احتمالات الاحتكاك الاجتماعي والصِّراع على الموارد المحدودة في المُجتمعات المُسْتقبِلة. بذلك، يتحوَّل النزوح نتيجة للتَّدهور البيئي إلى عامل مُضاعف لعدم الاستقرار، يُسهم في تغذية دوائر الفقر والعُنف والهشاشة المؤسسية.

تنطوي الهجرة الدَّاخلية النَّاتجة عن «حِدّة الأثر البيئي» على مخاطر مُضاعفة، تُفاقم صراعات مريرة حول حيازة الأراضي وحصص المياه، فضلاً عن تسريع تجريف الموائل الطبيعية والمساحات الزِّراعية وتحويلها إلى مناطق سكنية لاستيعاب الكُتل النازحة. يتدخل المال السِّياسي والنفوذ الميليشياوي74 كعوامل اضافية تُسهم في تدمير البيئة المحلية75، مُستفيدين من الهشاشة الوطنية العامة لإعادة تشكيل أنماط السَّيطرة على الأرض والموارد وتحقيق ارباح تجارية هائلة76. غالبًا ما يُترجم الهلع الاجتماعي العام، وتفكك البُنى الاقتصادية والاجتماعية الآمنة بفعل تآكل سُبل العيش والجَّفاف والاستيلاء على الأراضي الزراعية، إلى اضطرابات سياسية ومظاهر عنف متصاعدة في مختلف مناطق العراق. وعليه، فإن النزوح البيئي الدَّاخلي – بما ينتجه من توسّع للعشوائيات وصراع مُتفاقم على الأرض والمياه –، لا يمثّل مجرد نتائج جانبية للتدهور، بل يعكس تحوّلًا بنيوياً في أنماط الأمن السِّياسي والاجتماعي داخل دولة هشَّة ذات بُنية ريعية. يغدو العراق مثالًا نموذجياً لكيفية تحوّل “الأزمة البيئية” إلى أزمة أمنية مركبة، تتقاطع مع اختلالات الحكم والاقتصاد السِّياسي، مُهددةً الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل. أذْ باتت الحكومة العراقية تُدرك إنَّ “التَّدهور البيئي وما يُسببه من تشريد للناس وتدمير الأراضي الزِّراعية وزيادة البطالة وفقدان سُبل العيش في الرِّيف، بات دافعاً للشباب نحو الجريمة والارهاب”77.

تُعتبر الزِّراعة، وتربية الماشية، وصيد الأسماك، أهم ثلاث مصادر دخل لغالبية النازحين بيئياً، أو المُهددين بالنزوح، او أولئك الذين ما زالوا يقاومون شظف العيش في مواقع جافة، كما تُعد ايضاً أبرز أشكال الإنتاج التي تضمحل بتسارعٍ تحت تأثيرات التَّغير البيئي ونقص المياه، أو بسبب الإجراءات الحكومية. إذ يعاني سُكان الاهوار من تدهور النظام الإيكولوجي لموائلهم التاريخية، حيث يُؤثر جفاف المسطحات المائية في شح أعلاف الحيوانات؛ ونقص مياه الشرب الى هلاك الماشية مما أضر بحوالي %67 من مربي الماشية في ميسان و%65 في ذي قار و%27 في البصرة78. رغم محاولات إخضاع الأسر في مناطق الاهوار ضمن برنامج الإعانة المالية الحكومي لوقف الهجرة79، أو مشروع برنامج الدعم الطارئ للصمود وتغيّر المناخ الألماني80، أو المشروع الكندي لـ”تكييف الأسر الريفية جنوب العراق”81.

6. العُنف الجَّماعي النَّاجم عن التَّدهور البيئي

ينتشر العُنف النَّاجم عن البيئة، على نحو واسع في الأرياف الزِّراعية التي تشهد انحساراً مُضطرداً لتدفقات المياه، حيث التَّجمعات العشائرية الكبيرة المُسلحة. إذْ يُمكن تأكيد علاقة سببية ما بيّن التَّناقص المُفرط للموارد المائية وتدهور الزِّراعة وما بيّن التَّزايد اليومي في عدد الصِّراعات القبلية ذات الطابع المُسلح. تشهد مناطق الفرات الاوسط والجنوب، ضمن الحزام الزِّراعي للسَّهل الرِّسوبي العراقي، والذي يشمل محافظات بابل وواسط والنجف وكربلاء والديوانية والمثنى وذي قار وميسان والبصرة، بما يُمثل 39% من السُّكان، تصعيداً أمنياً مُتعدد الانماط، وصراعات مُسلّحة قابلة للتَّوسع، نتيجة التَّخاصم على حصص المياه والاراضي، وتناحراً قبلياً مُتواتراً لضمان ري الحيازات المرتبطة ببُنى مُلكيات محلية وشبكات نفوذ عشائرية، ما يُدلل على وجود سياق قوي لهيمنة البُنى القرابية والتجارية على إدارة الأرض والمياه. الصِّراع على الموارد غالباً ما يوصف بـ”النِّزاعات العشائرية”، لكن في ذلك تبسيط بصورة مُخلة لـ”مخاطر المناخ والسِّلم والأمن”. إذْ إنَّ “المجموعات المتنازعة لديها انتماءات إضافية، بما في ذلك ارتباطها بأحزاب سياسية، فكثيراً ما يشغل زعماء العشائر مناصب سياسية أو مواقع إدارية، كما ان للعشائر صلات وثيقة بمجموعات مُسلحة مختلفة”82.

تُسجَّل عشرات الحوادث اليومية في نطاق الوحدة الإدارية الواحدة، او عبر حدود المحافظات المتجاورة، حيث تمتد الإقطاعيات الزَّراعية وممرات الإرواء83. بيّنما تلجأ بعض البلدات والقرى الى استخدام مواقعها الاستراتيجية لحجب المياه عن المناطق المجاورة. مثلاً عَمَدَ عُمدة قضاء الغراف في محافظة ذي قار الى قطع المياه عن مركز المحافظة [الناصرية]، من اجل الاستحواذ على أكبر قدر من المياه لسُكان بلدته أواخر تموز/ يوليو 2022.84 وفي حوادث أخرى، قُطعت الطرق التي تربط الإقليم الجنوبي عن بقية أجزاء البلاد85. ما يعكس غياب آليات التَّسوية المؤسسية وحوكمة موثوقة لموارد المياه.

التَّعبير عن المظالم العامة عبر التَّصادم مع الدَّولة والاحتجاج العنيف، يُترجم من طرف المُجتمعات المُتضررة الى ضغط تفاوضي لإعادة توزيع الموارد وفرض ترتيبات محلية “للعدالة المائية”. يتحول المورد المائي الى أداة تنافس سياسية–أمنية، يُقايَض عبرها “الاستقرار المحلي” مقابل تدفق المياه لضمان استمرار سُبل العيش التَّقليدية المتوارثة كالزِّراعة والرَّعي والصَّيد. بالتالي؛ التَّنافس والمُقايضة الامنية يرفعان من منسوب الهشاشة، ويزيدان من احتمالات الانزلاق إلى عنف أوسع كما في نموذج “حرب المياه” الذي ينتشر على نطاق واسعٍ في محافظات ذي قار وميسان والمثنى، وهو نفس الحوض الخصب الذي شهد قتالاً مائياً في (الألفية الثالثة ق.م). 

مسار “العُنف – الاحتجاج – الأمن” في العراق لم يعد منفصلاً عن مسار “المياه – الزِّراعة – البيئة”، بل باتا سويةً يُمثلان السلسلة السَّببية لعدم الاستقرار: شحّ المياه والملوحة يدفعان الى خسائر معيشية فورية، صدامات اجتماعية/عشائرية على الأرض والمياه، تتبعها استجابة أمنية وإجراءات قسْرية وقمع احتجاجات، ثم إلى نزوح داخلي نحو المدن. ما ينتج بالنِّهاية بيئة سياسية – اجتماعية مُتحفزة لمزيد من الهشاشة والعُنف. إذْ إنَّ شح الموارد يُكثّف التَّنافس في البيئات الهشَّة ويجعل من السِّلاح وسيطاً لإعادة توزيع الضرر، عبر ديناميتين متداخلتين:

(1) نزاعات على الأرض والمياه تتحول إلى صدامات مُسلحة.

(2) نزاعات عشائرية يُغذّيها عاملي الهجرة وفقدان العمل الرِّيفي.

يَبرز، مثلاً، قضاء الاصلاح التَّابع الى محافظة ذي قار، الذي شهد عشرات الحوادث الامنية والمسلحة المتكررة ما بيّن عامي 2017 و2024، ادت الى سقوط ضحايا وتدخل حكومي قسْري، استدعى في بعض الأحيان فرض حظر للتجوال وتحويل القضاء إلى منطقة عسكرية مغلقة. خلال الربع الأخير من العام 2017 شهدت المنطقة نحو 20 اشتباكاً بين العشائر تخاصماً على المياه86. في العام 2019، أُحرق أهالٍ غاضبون مقر الحكومة المحلية87. وفي العام 2024، تقاتلت العشائر بالاسلحة الثقيلة ما أسفر عن جرح ومقتل 13 شخصاً بينهم مسؤول أمني88. يُمكن الاستنتاج بأن استقرار المُجتمعات المحلية سيشهد مزيداً من التَّصدع والتحديات الامنية نتيجة التَّدهور البيئي وسيادة ظروف الجَّفاف. إذْ نوه رئيس محكمة اقليمية جنوب العراق، الى إنَّ “معدل الجريمة زاد بنسبة 40% في ريف الناصرية نتيجة تدهور الزِّراعة”89، كما إنَّ مزارعين سابقين في قضاء الرِّفاعي، سعوا إلى كسب عيشهم بطرق غير مشروعة من خلال تهريب المخدرات بسبب خسارة نشاطهم الزِّراعي”90.

تشهد محافظة ميسان، انهياراً في بنيتها الاقتصادية الرَّيفية، إذ تقلصت المساحة المزروعة إلى أقل من ثلث مستواها السابق، لتبلغ نحو 26 ألف دونم تعتمد على المياه الجوفية فقط91. فيما بات 50 ألف مُزارع عاطلين لعامين متتاليين (2024 – 2025) بسبب منعهم من الزراعة ضمن سياسات التَّقنين المائي92. في الوقت نفسه، تتواصل عملية محو الاهوار التَّاريخية المُدرجة على لائحة التراث العالمي بسبب توسعة النشاط النفطي93، بما يهدد التراث الإنساني لسكان الاهوار الأصليين ويقوّض أنماط ممارساتهم الاقتصادية والثقافية التقليدية94

تُعد ميسان اليوم إحدى أكثر بؤر العُنف المُرتبط بالبيئة كثافةً في العراق، حيث سُجل خلال العام 2025 نحو 186 نزاعاً عشائرياً مُسلحاً95، بسبب الخسارات الاقتصادية الفادحة جراء الجفاف وتوقف الأنشطة الزراعية في الأرياف والاهوار96، ما اسهم بتفاقم مزيد من النزاعات والانفلات الأمني97، اللذان حفزا بدورهما حركة نزوح واسعة لقرى وعشائر بأكملها98. ميسان ايضاً تُعتبر منشأً لخُمس النازحين بيئياً في عموم العراق (19%)، 1٪ فقط منهم نزحوا الى خارج المحافظة99، ما يعني إنَّ التَّوتر وعبء النزوح ظل محصوراً في نطاق جغرافيا التَّهميش داخل المحافظة.

في المقابل، كثّفت السُلطات المركزية حملاتها الامنية، في مسعى الى تفكيك شبكات تجارة المُخدرات التي باتت بديلاً عن شبكات الاقتصاد الشَّرعي القائم سابقاً على الزِّراعة والثروة الحيوانية والصَّيد100، فضلاً عن فرض حظر التجوال101 ونشر وحدات عسكرية مُدرعة102 لضبط «التَّمردات المحلية» والفصائل المسلحة103. إلا إنَّ هذه المُقاربة الأمنية، استهدفت ايضاً الموارد الاقتصادية البديلة للسُّكان، لاسيما تربية الاسماك في احواض طينية صناعية التي انتشرت بعد جفاف الانهر. تملك ميسان حالياً نحو 80 ألف دونم من الاحواض السَّمكية (قرابة 8 آلاف حوض)، بعدما أن قضت حملة حكومية على نحو 12 الفاً منها ما بين 2022 و2025، في إطار ازالة 28 ألف تجاوز على مجاري الأنهار. ترى السُلطات أن هذه الأحواض تسهم في تفاقم الشحة المائية، فضلاً عن ارتباط ملكيتها بشيوخ عشائر ونخب نافذة، وإنَّ التحدي الأمني الذي يعيق تمتع سُكان المدينة والارياف بالمياه، هي العشائر المُسلحة.

يمتلك العراق وفقاً لوزارة التخطيط، اكثر من 12 ألف مشروع اسماك، وهي عبارة عن مجمعات مائية صغيرة او أحواض او أقفاص داخل الانهر مملوكة لأفراد ومستثمرين وعشائر. 90٪ منها غير مُرخصة، لكنها تزود السوق المحلية بنحو 700 طن سنوياً، فيما الـ10٪ المتبقية المُرخصة تغذي الطلب المحلي بنحو 100 طن سنوياً. خلقت حملات الحكومة لإغلاق بُحيرات الأسماك، فجوة غذائية هائلة وارتفاعاً حاداً في الأسعار بلغ 150٪. 

يُبرز الصِّراع المُحتدم حول تقنين الموارد وفرض الحلول الأمنية في ميسان، تحول الملف البيئي والمائي إلى نزاع سيادة محلية بين الدَّولة وشبكات القوة المُسلحة العشائرية. بهذا الاتجاه، يغدو “إنفاذ القانون” بحجة حماية البيئة، اداة قسْرية تتحمل كلفتها المُجتمعات المهمشة اقتصادياً، والتي تعاني اصلاً فشلاً تنموياً مُزمناً ونزوحاً وخسارة لأصولها الاقتصادية والثَّقافية. تعكس هذه الحالة بوضوح نموذجاً تطبيقياً لإطار «حِدّة الأثر البيئي»، حين تتقاطع الضغوط البيئية مع سياسات الدَّولة الرَّيعية والأمنية، لتعيد إنتاج العُنف وعدم الاستقرار على المستوى المحلي.

تُبرهن ايضاً هذه الوقائع، على الصِّلة الوثيقة بين تنامي النِّزاعات العشائرية ومواسم الجَّفاف والشحة المائية، بما يعكس تحوّل الموارد الطبيعية إلى محرّك مباشر للعُنف المحلي. علاوةً على ذلك، يتكرر النَّمط بما يتجاوز المحافظة الواحدة الى نطاق أوسع. في نيسان/ ابريل 2014، اندلعت اشتباكات عنيفة بين عشائر محافظتي الديوانية والمثنى المتجاورتين بسبب المياه104، ما استدعى أن تشن الحكومة الاتحادية أول حملة عسكرية واسعة النطاق مُرتبطة بنزاعات المياه، ضد عشائر قضاء الحمزة في محافظة الديوانية. بالمُقابل اتهمت العشائر القوات الحكومية بالاستيلاء على أراضيها ومنعها من الزِّراعة، وإجبارهم إما على النزوح أو اللجوء إلى العُنف في مواجهة الدَّولة للدفاع عن سُبل عيشهم التقليدية105.

التَّوترات العشائرية ايضاً انتقلت الى مستوىً اخطر ذا طابع مؤسسي مُتزايد، من خلال انخراط الحكومات المحلية في مناطق الفرات الأوسط والجنوب عسكرياً كطرف مباشر في النزاع على المياه، في محاولة لإنقاذ مجتمعاتها من آثار الجفاف. في منتصف آذار/ مارس 2018، اقتحم محافظ المثنى الاسبق فالح الزيادي، حدود محافظة الديوانية المجاورة، بمعية قوات عسكرية حكومية لوقف تجاوزات عشائرية على حصص محافظته المائية. وفقاً للزيادي ان تلك التجاوزات تسببت بـ”عطش مليون مواطن ودمرت سُبل معايشهم الزِّراعية”. بناءً على هذه الحادثة وغيرها، لم تعد السُّلطات المحلية وسيطاً محايداً مُصمماً لإدارة المجتمعات بالنيابة عن الحكومة المركزية؛ بل تحوّلت إلى فاعل سياسي-أمني ينافس نظراءه على الموارد المائية المحدودة. في المُقابل؛ حين تُحاول الحكومة المركزية استعادت سُلطاتها، غالباً ما يَتَسِم تدخلها بارتكاب مزيدٍاً من العنف القسري ضد السُكان المحليين المنتفضين على الجفاف106، بدلاً من معالجة جذور الأزمة عبر سياسات مائية وتنموية مستدامة. وهو ما يعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمعات الريفية، ويعزز منطق المواجهة بدل الاحتواء.

تُمثّل البصرة نموذجاً آخر أكثر حساسية جراء تشابك التدهور البيئي مع الاقتصاد الريعي وسياسات الدولة القسرية، بسبب تداخل قضايا المياه والنفط والأمن107. إذْ تتحول ازمة المياه والتلوث النفطي إلى محرّك مباشر للعنف الاحتجاجي. فقد قاد التدهور المزمن لنوعية المياه والتلوّث الناتج عن الاستخراج غير النظيف للنفط والغاز إلى انتفاضة بيئية في صيف 2018، التي هيكلت العلاقة مع السلطات المركزية108، وأفضت إلى إحراق القنصلية الإيرانية احتجاجاً على السياسات المائية الإقليمية109. سياسياً، كسرت هذه الانتفاضة احتكار حزب الدعوة للسلطة، ومهّدت لانتفاضة تشرين 2019، ما يكشف عن قدرة الاحتجاج والتعبئة البيئية على إحداث تحوّل بنيوي في موازين القوة السياسية110.

تكشف حالة البصرة عن آلية إقصاء ممنهجة للفلاحين عبر ما يُعرف بـ”مناطق المُحرّمات النفطية”، التي باتت تُهيمن على نحو 80% من أراضي المحافظة. معظم الفلاحين في البصرة لا يملكون الأراضي التي يزرعونها111، حيث تُلغى عقود الاستثمار الزِّراعي ويُهجّر السُّكان لصالح توسعة مشاريع الشركات النفطية الاجنبية. تُستخدم منظومة قانونية وإدارية (قانون 84 لسنة 1985112، قرارات الإخلاء، قطع المياه) لإعادة تخصيص الأرض قسْراً، مقابل تعويضات شكلية ومتأخرة113، ما يدفع المتضررين إمّا للنزوح أو للمواجهة المباشرة مع الدَّولة والشركات. تؤكد دائرة زراعة البصرة أن الشركات النفطية استولت على مليون دونم من الأراضي الزراعية114. في الوقت ذاته، تُفاقم الشركات النفطية أزمة الشح المائي عبر حقن كميات ضخمة من المياه العذبة في الآبار (حتى ثلاثة براميل ماء لكل برميل نفط)، في سياق تعاني فيه المجتمعات المحلية من الجَّفاف115. يترافق ذلك مع تصاعد الاحتجاجات في شمال البصرة (القرنة، الدِّير، الصادق) بسبب الملوحة116 ومصادرة الأراضي117، مقابل استجابة أمنية قمعية وتحذيرات حقوقية من تدهور الأوضاع الإنسانية118.

أمعنت الحكومة الاتحادية في إيذاء مُلاك الأراضي والمزارعين، حيث فرضت بموجب القرار رقم 149 لسنة 2011، اجراءات لاخلاء الأراضي خلال 15 يوماً، ما أضرَّ على نحو كبير بالأراضي الزِّراعية والبيئات المحلية المُستقرة119، بينما تقول حكومة البصرة، إنَّ المحافظة تحتاج الى زراعة 40 مليون شجرة لزيادة الغطاء الأخضر بهدف تحسين جودة الهواء والتَّخفيف من آثار التلوث النفطي120.

في نموذج البصرة، لم يعد الصِّراع يتمحور فقط على “البيئة”، بل على الحق في البقاء. فالبيئة تحولت إلى خط تماس سياسي – تجاري تتلاعب باصوله الدَّولة والشركات الاجنبية على حد سواء. حيث تُمارس الدَّولة سيادتها عبر نزع الأرض وتجفيف الموارد، بينما يرد المجتمع المحلي بعنف احتجاجي بوصفه آخر أدوات الدِّفاع عن الوجود. وفقاً لذلك، يُعاد تعريف العُنف على أنه نتاج مباشر لاقتصاد ريعي يقوم على الإقصاء البيئي وتجريد السُّكان من مواردهم، ضمن نظام حوكمة لم يعد قادراً إلا على الضبط والقسْر. بالتالي؛ بات الاحتجاج البيئي بات شكلاً من أشكال العصيان الاجتماعي ضد اقتصاد نزع المُلكية والإفقار المنهجي.

الأزمة الزِّراعية ومُحركات المعارضة المحلية لسياسات الدَّولة

يَستهلك العراق عادةً 63٪ من مياهه على الفلاحة في أعوام الغنى المائي. وفي سنين القحط الهيدرولوجي كالعام 2020، وُظّف زراعياً 32 مليار م³، خسر منها كضائعات مُطلقة ومياه بزل متملحة عديمة الفائدة نحو 17 مليار م³. ما يؤشر على هدر مائي لا تقابله وفرة إنتاجية. فناتج الدونم العراقي حالياً 350 كلغم فقط، مقارنة بالمعدل العالمي الذي يصل الى ثمانية أضعاف، ومن المُرجَّح أن يتراجع الى 75 كلغم للدونم بحلول نهاية القرن121. كما إنِّ تقسيم الأراضي بالإرث أو التخلي عن جزء منها، أو تحويلها الى مشاريع سكنية، يسبب افراطاً بتجزئتها مما يقلل باضطراد الإنتاجية الزِّراعية. من اللافت إنَّ مساحة الأراضي المزورعة أو الصَّالحة للزِّراعة في العراق انخفضت من 13.4 مليون دونم في العام 2014، الى ما دون 4.5 مليون دونم في المواسم الزِّراعية الصيفية والشتوية الاخيرة (2025). لذا يعكس خفض مساحات الفلاحة تحديين خطيرين: 

الأول: تآكل سُبل عيش الاقتصاد الرِّيفي، وزيادة معدلات فقر المجتمعات المحلية التي تعتمد على الإنتاج وما يتصل به من سلاسل توزيع وثروة حيوانية، ما يجعلها تتجه الى تعويض الخسارة الفادحة بوسائل قد تؤثر على الاستقرار وزعزعة الأمن المحلي.

الثاني: الدَّولة ترتكب خطأ جسيماً بمحو الزِّراعة من خارطة الانتاج الوطني، للحفاظ على مستويات المياه الشحيحة الموجهة غالباً لاستعمالات سكان المُدن، او لمنفعة الصناعة النفطية التي باتت تستحوذ على الارياف والمناطق الزِّراعية، والاهوار المدرجة على لائحة التراث العالمي. ما يعني أن الجَّفاف والنقص المائي، لم يعد مشكلة طبيعية، بقدر ما أصبح مرتبطاً بسياسات تجفيف ممنهجة على صلةٍ وثيقةٍ بسردية البقاء السِّياسي للنظام.

يستقطب القطاع الزِّراعي، الذي يُعد منجماً لتوليد العُنف والعسكرة البيئية بسبب فقدان مئات الآف من الافراد ورجال العشائر لسبل عيّشهم المُستقرة، من 20 الى 30٪ من قوة سوق العمل العراقي، حيث ساهمت الفلاحة بنحو 4٪ من (GDP) ما بين 1990- 2014، لتهبط الى أدنى مستوى مساهمة بـ 2,3% منذ العام 2022. لعبت عوامل النقص المائي والجَّفاف وتقليص والغاء المواسم الزِّراعية، ومنع زراعة المحاصيل الاستراتيجية كالحنطة والارز، فضلاً عن استخدام المياه كأداة مُسلحة في العُنف المُتبادل بين أطراف النِّزاع (الدَّولة العراقية/ داعش/ الميليشيات الشِّيعية) في تراجع المساهمة الزِّراعية في الاقتصاد الوطني. حيث فقد ثلثي مُزارعي العراق في الحوض الشَّمالي قدرة الوصول الى مصادر الريّ. وبعد ثلاثة أعوام أخرى (موسم 2017 – 2018) انخفض الثلث المتبقي الى 20٪.122

افترضت الحكومة ضمن أهداف National Development Plan والتوقعات الخاصة بمساهمات القطاعات التنموية123، إنَّ رفع نسبة مساهمة الزراعة في (GDP) من 4.5٪ المُسجلة كهدف غير مُتحقق في 2015، الى 5.2٪ في 2022، من اجل تحقيق قفزة نمو قطاعي بـ 8.4٪، قد يُفضي الى تقليل اعتماد النفط. علاوة على ذلك، يُمكن أن يكون آلية فعالة لتثبيت الحركة السُّكانية في مناطقها الاصلية عبر مواجهة التَّصحر وفقدان الأراضي، فضلاً عن خفض الاحترار. إلّا إن المساهمة الزِّراعية تراجعت الى مستوى أدنى من المُتوقع لتُسجل 2٪ على مدى الأعوام اللاحقة.

وبدلاً من وضع سياسات لمعالجة خفض الهجرة الزِّراعية، قامت الحكومة بخَفضَ الاستثمارات في قطاع الفلاحة الى 3.4٪، بعدما ترسّخت لديها هامشية القطاع في الدورة الاقتصادية، كخيار غير مستجيب لخطط الإنعاش. الأمر الذي أحبط صغار المزارعين ومربيّ المواشي124، وأشعرهم بأنهم يواجهون “حِدَّة الأثر البيئي” مُنفردين، وسط عطالة الاستجابة الوطنية، والانتقائية الحكومية عبر إلغاء المواسم الزِّراعية125، ومنع الأهالي من استغلال أراضيهم بالقوة126، وقطع المياه عن قرى وبلدات كثيفة السُّكان127، من أجل ترشيد المياه ومنع تقاتل المحافظات فيما بينها على الحصص الشحيحة. بهذا الاتجاه؛ ظهرت حالة “المواجهة مع الدَّولة”، حيث نَشطَ المجتمع الأهلي دفاعاً عن استحقاقاته الحياتية المُتأثرة بالتَّدهور البيئي، ومارس تكتيكات أكثر فاعلية في التعبير عن مصالحه المهدورة، عبر الاحتجاجات العنيفة128، قطع خطوط النقل الرئيسة بين المُدن الكبرى129، اقتحام وإغلاق الدوائر الحكومية130.

وبيّنما تُرسخ الدَّولة إجراءاتها العُنفية ضد المجتمع الزِّراعي، ساومت الحكومة التي تقودها احزاب وفصائل مُسلحة مُتورطة في فعاليات التَّدهور البيئي، الفلاحين ومُربي المواشي ومزارعي الأسماك وسكان الأرياف، على اعتماد تقنيات الزِّراعة والرَّي والتكنولوجيا المائية الكفوءة لتحفيز الإنتاج المرن مناخياً، كجزء من خطة إصلاح القطاع الزِّراعي، مقابل السَّماح باستئناف الانشطة الإنتاجية، وبخلافه “لن يتم دعم أي فلاح لا يستخدم تقنيات الرَّي والزراعة الحديثة”131. لكن نسبة مُستخدمي تقانات الحديثة لم تتعد 3.7٪ في عموم البلاد132. بينما مساحة الأراضي المُخصصة للرَّي الحديث (المرشات المحورية) لم تتجاوز 300 الف دونم في عموم العراق133.

تُظهر مناطق جنوب وشمال العراق أمثلة واضحة على الدَّور الحاسم للسِّياسات الحكومية ونفوذ الجَّماعات المُسلحة في تعميق الهشاشة الاجتماعية والأمنية للاقتصاد الرِّيفي. في محافظة المثنى، كشفت الحكومة المحلية عن انهيار واسع في القطاع الزِّراعي، مع وجود نحو 700 ألف دونم خارج دائرة الإنتاج الفعلي134، محذّرة من تداعيات رفع الدِّعم عن القطاع، في محافظة يعتمد نحو 80% من سكانها على الفلاحة كمصدر رئيس للدَّخل، وتعاني أصلاً من نسب فقر مرتفعة تُقدّر بنحو 40%135. فيما ترى الأوساط الزِّراعية المحلية إنَّ تقليص للدَّعم سيقود إلى انهيار سُبل العيش وتفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

في هذا السِّياق، يعبّر فلاحو المثنى عن قناعة متزايدة بأن “السِّياسات الحكومية تستهدف تفكيك الاقتصاد الزِّراعي” و”موت الفلاح”، عبر سلسلة إجراءات متراكمة، تشمل عدم توفير الأسمدة، قطع المياه، وقف برامج حفر الآبار، رفع إيجارات العقود الزِّراعية، زيادة تعرفة الكهرباء، وإلغاء المواسم الزراعية. يحذّر المزارعون من أن التَّخلي القسْري عن الزِّراعة يعني عملياً القضاء على اليد العاملة الرِّيفية وزيادة معدلات البطالة، ما قد يقود إلى انفلات أمني واسع وتفشي الجريمة نتيجة فقدان مصادر الدَّخل والاستقرار136.

تتوافق هذه المعطيات مع تحليلات منظمة الأغذية والزِّراعة (FAO) لحالة العراق، التي تؤكد أن شح المياه وتعقيد منظومة القروض الزِّراعية يعرقلان الحصول على معدات فلاحة حديثة، ما يجعل الاستثمار الزِّراعي غير مجدٍ اقتصادياً أو محدود القيمة. يُفاقم ذلك الاعتماد على معدات وقطع غيار ومضخات مياه مستوردة منخفضة الجودة والكفاءة من الصِّين وإيران، تتطلب صيانة مُستمرة وتستنزف الموارد المالية، الأمر الذي ينعكس سلباً على هامش الرِّبح ومستوى الإنتاج كماً ونوعاً137. وبفعل ارتفاع أسعار التقانات الحديثة وغياب الدعم الحكومي، بات الوصول إليها شبه مستحيل لصغار المنتجين138، ما عمّق هشاشة الفلاحين المعتمدين على القروض الرسمية، ودفع بعضهم إلى الانتحار139، لا سيما بعد توقف المصرف الزِّراعي الحكومي عن منح القروض المدعومة دون فوائد140. يُعد المصرف الزِّراعي العراقي واحداً من اكثر المصارف الحكومية فساداً141، حيث القي القبض على عشرات المسؤولين في فروع المصرف المختلفة نتيجة منح قروض وهمية واختلاسات كبيرة142 وتفشي المحسوبية والسَّيطرة السِّياسية في نظام المصرف143.

نمط الإجراءات العُنفية ضد المجتمع الزِّراعي، ينطبق على مناطق الحوض العلوي من العراق، حيث شهدت التجمعات الحضرية والرِّيفية صراعات مُسلحة امتدت على مدى عقدين، ثم دماراً واسعاً خلال الحرب ضد تنظيم “داعش”. وفي مرحلة ما بعد الصِّراع، باتت بعض هذه المناطق تحت نفوذ فصائل مسلحة استخدمت قوتها لتهجير السكان من أراضيهم الزراعية144 ومصادرة محاصيلهم145 أو إحراقها146. وفي الحزام الزِّراعي شمال بغداد، تُقدَّر نسبة الأراضي الزِّراعية غير المُستغلة بنحو 60% نتيجة قطع المياه وسيطرة الميليشيات لإجبار السُّكان على الهجرة والتخلي عن أراضيهم لتحقيق تغيير ديموغرافي طائفي، حيث تعرّض نحو 80 فلاحاً للتهديد المباشر و”خُيّروا بين ترك أراضيهم أو مواجهة ميليشيات لا ترحم”147.

على هذا المنوال؛ يتحول الانهيار الزراعي من أزمة قطاعية إلى أزمة اجتماعية–أمنية مُركبة، تتقاطع فيها الندرة البيئية مع سياسات عامة مُختلة، لإعادة إنتاج الهشاشة و”اقتصاد العُنف” الذي تديره الجَّماعات المُسلحة. يدفع هذا المسار المجتمعات الرَّيفية تدريجياً نحو مسارات خطرة من الاحتجاج والعُنف والانفلات الأمني، بوصفها استراتيجيات بقاء قسْرية في ظل غياب بدائل تنموية حقيقية.

في ظل الشح المائي المُتزايد، يُرجح أن تنخفض المساحة الزراعية لعام 2026، الى النصف عما هي عليه الآن (ما يُعادل 2.5 مليون دونم عراقي)، مع استمرار منع زراعة المحاصيل الاستراتيجية (الحنطة والارز)، حيث سجلت اشهر مناطق انتاجها صفراً ما بين 2022148 و 2025149، ما يعني زيادة في أعداد المزارعين العاطلين عن العمل، فضلاً عن محو اقتصاد قرى وبلدات ريفية بأكملها، الأمر قد يَتسبب بموجات نزوح كبيرة وتصاعد أمني مرتبط بالوصول الى سبل عيش متآكلة. مثالاً: شهدت 16 قرية وتجمع ريفي كبير في محافظة ذي قار ما بين 2022 و2025150، نزوح 11,338 عائلة (46,691 فرد) ما بيّن 2022 و2025. فيما أصبحت 65 قرية في قضاء آل بدير بمحافظة الديوانية شبه خالية من سُكانها منذ اواخر العام 2023151.

مع اتساع التَّقنين، تتسع فجوة الثِّقة الحادة بين المجتمعات الرِّيفية والحكومة، بسبب السِّياسات التي تُحمِّل الكُلفة البيئية أو التَّحول إلى الرَّي الحديث على الفلاحين بينما الأدوات غير متاحة اصلاً152. لذا تبرز دينامية معارضة تتجاوز المناطق الصغيرة والهامشية، او الاحتجاج المُغلق، الى تحالفات تضامن محلية تجمع مزارعي عدة مناطق ومحافظات معاً153، مثل نموذج (احتجاج تحالف غمّاس)154. قاد مزارعو أربع محافظات [كربلاء، النجف، الديوانية، المثنى]، جراراتهم الزِّراعية الى قلب بلدة غماس، عاصمة الأرز العراقي، رافعين بيارق عشائرهم في دلالة على التَّصعيد والغضب. بدا مشهداً مشابهاً لاحتجاجات المزارعين الاوربيين رفضاً لاتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول “ميركوسور”155.

الحلقة الرَّيعية وتمويل التَّكيف المناخي: اتساع الفجوة البنيوية

تكشف البُنية المالية العامة في العراق عن حلقة ريعية هشَّة تُقيّد أي مسار جاد قد يُسفر عن تحولٍ بيئي. إذْ اصبحت إيرادات الدَّولة عاجزة عن تمويل القطاعين التشغيلي والاستثماري156. صندوق النقد الدولي نبَّه الى اتساع عجز الموازنة العامة ليصل إلى 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، وإلى 9.2% في عام 2026. تزامناً مع انهيار واضح لنمو القطاع غير النفطي من 13.8% في 2023 الى 2.5% في 2024157. بمقابل ذلك، لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية نسبة 10%، في ظل ارتفاع الدِّين العام (الداخلي والخارجي) الى 43% بالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي158، ما يعكس تراجع قدرة الدولة على تمويل التَّحول الزِّراعي والمائي، وتعزيز نموذج “تحميل كلفة التَّكيف” على المجتمع، عبر سياسات تقنين المياه ورفع الدَّعم الحكومي، دون توفير شبكات أمان اجتماعي أو بدائل اقتصادية، ما يعمّق الهشاشة بدل معالجتها.

تُجسّد أزمة المياه أحد أعنف مظاهر الاختلال البنيوي. ففي عام 2014، قدّرت وزارة الموارد المائية حاجتها إلى نحو 184 مليار دولار لإعادة تأهيل البنية التحتية المتدهورة. غير أن هذه الخطط بقيت، حتى أواخر 2025، غير ممولة إلى حدّ كبير، ما ترك شبكات الرَّي والسدود ومحطات الضخ في حالة انهيار تدريجي159. وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي، سيحتاج العراق إلى 233 مليار دولار بحلول 2040 لسد فجوات الاستثمار المناخي ذات الأولوية، والانخراط في مسار “النمو الأخضر الشامل”، بما في ذلك ضرورة تخصيص 70 مليار دولار حتى العام 2040 فقط لمعالجة ندرة المياه والتكيف معها160. هذه الأرقام تصطدم بواقع مالي مأزوم: استنزاف سنوي هائل لتغطية شبكة الرواتب العامة، كلفة تشغيل جهاز الدولة المتضخم، تمويل الهياكل المسلحة الرسمية وغير الرسمية، فضلاً عن شبكات الفساد وسوء إدارة المال العام. ضمن هذا السِّياق، تبدو خطط التَّحول أقرب إلى تصورات معيارية غير قابلة للتحقق161.

في أيار/ مايو 2025، أعلن العراق عن إطلاق “محفظة مشاريع مناخية” ضمن برنامجه القطري لدى الصندوق الأخضر للمناخ (GCF)، بعد موافقة الصندوق في تشرين الأول/ أكتوبر 2024 على أول مشروع بقيمة 39 مليون دولار بعنوان: “تعزيز القدرة على التَّكيف المناخي لسبل العيش الزِّراعية الهشَّة”، تنفذه منظمة الأغذية والزراعة (FAO)162. يستهدف تحسين سبل عيش نحو مليوني مزارع عراقي عبر إصلاح سياسات إدارة المياه، إدخال تقنيات ري حديثة، وتمكين جمعيات مستخدمي المياه، ودمج الطاقة المتجددة في القطاع الزِّراعي. لكن رغم أهمية المشروع رمزياً، يبقى حجمه هامشياً مقارنة بالفجوة التمويلية الكلية المقدرة بمئات المليارات، ما يجعله أقرب إلى تدخل تجريبي محدود الأثر، منه إلى مسار تنموي شامل.

لم تُظهر وثائق العراق المقدمة إلى COP29 تقدماً يتناسب مع حجم الكارثة البيئية، لا من حيث التَّشخيص ولا التَّمويل. أما التعهدات الحكومية لـ COP28، بقيت في إطار الخطاب الدِّعائي، ومن بينها الإعلان عن تأسيس “بنك العراق الأخضر للتنمية” برأسمال 400 مليار دينار، واستثمار 250 مليار دينار حتى 2030، وخلق 100 ألف فرصة عمل خضراء. بالنَّتيجة؛ ظلَّ المشروع دون أي تخصيصات مالية فعلية أو تشريعات تنفيذية حتى نهاية العام 2025. المفارقة أن هذه التعهدات جاءت رغم إقرار العراق أربع موازنات تاريخية بين (2021–2025) تجاوز مجموعها 400 مليار دولار، دون تخصيص بنود واضحة لبرامج التَّكيف المناخي أو حماية الموارد المائية.

في موازنة العراق الثلاثية المُحددة للسنوات (2023 – 2024 – 2025)، خصصت الحكومة ما يقرب من 68 مليون دولار سنوياً فقط لوزارة البيئة. وهذه تعتبر أول موازنة مخططة للقطاع البيئي في تاريخ الحكومات العراقية، صرف منها 48٪ فقط في 2023 للضرورات التشغيلية (اغلبها رواتب للموظفين)، فيما لم يُنفذ أي مشروع بيئي او مبادرة مناخية، لذا كان الإنجاز في الخطة الاستثمارية صفراً163. وزارة البيئة تعد أصغر هيكل حكومي يملك موارد بشرية محدودة، تُقدر بـ 3308 موظفاً فقط في عموم العراق. فيما بلغت حصة وزارة البيئة من جُملة القروض الاجنبية نحو 20 مليون دولار، من بينها مشاريع بقيمة 18.7 مليون دولار لتقييم ملوثات الماء والتربة164

ورغم عقد “مؤتمر العراق للمناخ” في البصرة (آذار/مارس 2023)، المدينة الأكثر تضرراً من الإنتاج الكربوني، لم تُرصد أي مخصصات جدية لمسارات التَّكيف. بل ظلّت “العقيدة البيئية” الحكومية قائمة على منطق: زيادة التَّلوث مقابل جلب التمويل الدولي، هي المُرجَحة لتنشيط العمل المناخي. بناءً على الرؤية المُحددة من قبل رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، من خلال تبني “مقاربة تعويض الفاقد” في قطاع الطاقة165، عبر تكثيف استخراج النفط والغاز، توسيع مشاريع الوقود الأحفوري، تسويق خطاب التحول الأخضر دعائياً. بينما فشلت أول خطة وطنية للاستثمار المناخي في العراق (2025 -2030)166، والتي كانت تستهدف تخفيف العبء عن الميزانية التشغيلية، وجذب الاستثمارات، دون المساس بجوهر الاقتصاد الريعي. إلا أن اعتمادها على تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، التي علّقت برامجها في العراق وفي انحاء اخرى من العام، وضع الخطة فعلياً في حالة شلل مالي وتنفيذي.

التوصيات

1. تعزيز التنسيق المؤسسي وحوكمة البيئة والتَّحول الى إدارة المخاطر لبناء السَّلام البيئي:

اعتماد إطار وطني مُلزم لإدارة المخاطر المناخية والمائية بما يقود الى صياغة برنامج مُتكامل وفعَّال لبناء السَّلام البيئي، يُعالج قضايا المياه، الزِّراعة، النزوح، والأمن الاجتماعي، ويُدمج في التخطيط المالي والموازنة العامة، بدلاً من الاستجابات الأمنية الظرفية، او سياسات السَّيطرة على الموارد التي تعمل على توسيع دائرة مظالم فئات محرومة ومهمَّشة.

2. ربط التعافي المُستدام بسُبل العيش والتَّكيف البيئي بتوطين الزِّراعة كقطاع اجتماعي – تنموي: 

اعتماد التعافي المُستدام كمبدأ حاكم للسِّياسات البيئية في المناطق المتأثرة بالنِّزاع وبالتَّجفيف والصناعة النفطية، عبر استعادة الزِّراعة بوصفها ركيزة للتَّماسك الاجتماعي، وتصميم برامج تكيف فاعلة، تستهدف توسعة الاستثمار الزِّراعي، حماية الدَّخل الرِّيفي، خلق فرص عمل، تقليل دوافع النزوح والعُنف، حماية حقوق الوصول إلى الأرض والمياه، فضلاً عن ربط دعم المزارعين بشبكات أمان اجتماعي وتعويضات وليس بشروط تقنية تعجيزية.

3. تمكين الاستجابات البيئية المحلية ومواءمة التَّمويل المناخي مع العدالة الاجتماعية:

تمكين المجتمعات المحلية، لاسيما المجتمعات الرِّيفية والزِّراعية الجنوبية وسُكان الاهوار والحوض الزِّراعي الشَّمالي، من إدارة الموارد الطبيعية عبر آليات تشاركية، وتعزيز المبادرات المحلية في إدارة المياه والأراضي، باعتبارها أدوات وقاية من النَّزاع، وليست عبر تدخلات تنموية حكومية محدودة ومرتبطة بمدى استجابة التمويل والكفاءة البيروقراطية. فضلاً عن إعادة توجيه التَّمويل المناخي الدولي والوطني نحو المجتمعات الأكثر تضرراً. 

4. الوساطة البيئية والحوار والحد من التَّدخلات الامنية في قضايا مُشاركة المياه والموارد:

إنشاء آليات حوكمة مائية مستقلة على المستوى المحلي، مع تقليص دور الأجهزة الأمنية في إدارة المياه، وحصرها في حماية البنية التحتية فقط. فضلاً عن تطوير منصات حوار ووساطة بيئية تضم الدَّولة، الحكومات المحلية، المُجتمعات المتضررة، والقطاع الخاص، من اجل عزل الموارد الطبيعية والمياه عن الصَّراع السياسي–الأمني، وتحويلها إلى مجال للتفاوض التعاوني وبناء الثِّقة. 

5. المساءلة والعدالة والرَّقابة البيئية وسن التشريعات وآليات التقاضي القانوني: 

الاستثمار في تنظيم البيانات البيئية، وبناء القدرات الوطنية في تحليل مخاطر المناخ ونزاعاته، وربط المعرفة العلمية ومُخرجات الوقائع الميدانية بالسِّياسات العامة، بما يحد من اتخاذ قرارات أمنية قائمة على معلومات ناقصة أو مسيّسة. فضلاً عن إدماج مبادئ المساءلة والعدالة البيئية في إدارة الموارد الطبيعية، بما في ذلك مساءلة الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين عن التَّدهور البيئي، وسن تشريعات وطنية مُلزمة تُعزز من الرَّقابة والحوكمة وآليات التقاضي القانوني.



  1. شخص يقتل شقيقين وينتحر بإدارة كرميان، وكالة شفق نيوز، 23 حزيران/ يونيو 2025. https://goo.su/7Kzg5d  ↩︎
  2.  صفاء خلف، تغيّر المُناخ وأزمة المياه في العراق: مؤشرات الهشاشة وحِدَّة الأثر البيئي، السفير العربي، 02 تشرين الاول/ اكتوبر 2022. https://goo.su/tZHUWq ↩︎
  3.  يصنّف مؤشر الدول الهشّة (Fragile States Index) العراق كدولة ذات هشاشة مؤسّسية عالية على المستوى العالمي، حيث بلغ مجموع نقاطه في المؤشر لعام 2024 نحو 88.6 نقطة على مقياس من 0 (أقل هشاشة) إلى 120 (أعلى هشاشة)، بنحو المرتبة 31 عالمياً من بين 175 دولة أخرى مصنَّفة. يضع مؤشر التَّنصيف الدولي، العراق ضمن فئة الـ “تنبيه/هشاشة عالية”، مما يعكس ضغوطاً مستمرة في أبعاد مُتعددة تشمل الأمن، الشَّرعية السِّياسية، الخدمات العامة، والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
    The Fund for Peace. (2025). Fragile States Index 2024: A world adrift [Annual report]. https://goo.su/CU6JV ↩︎
  4. Homer-Dixon, T. F. (1994). Environmental scarcities and violent conflict: Evidence from cases. International Security, 19(1), 5–40. https://doi.org/10.2307/2539147. Also: Homer-Dixon, T. F. (1999). Environment, scarcity, and violence. Princeton University Press. ↩︎
  5. Le Billon, P. (2001). The political ecology of war: Natural resources and armed conflicts. Political Geography, 20(5), 561–584. https://doi.org/10.1016/S0962-6298(01)00015-4. Also: Le Billon, P. (2012). Wars of Plunder: Conflicts, profits and the politics of resources. Oxford University Press. ↩︎
  6. Khalaf, S. (2021, December 29). Iraq: Climate change threatening storms, poverty and displacement. Middle East Eye. https://goo.su/lssW  ↩︎
  7. IPCC. (2022). Climate change 2022: Impacts, adaptation and vulnerability (WGII). Cambridge University Press. Also: Ide, T., et al. (2021). The past and future of climate-security research: A systematic review. World Development, 139, 105–197. Also: Mach, K. J., et al. (2019). Climate as a risk factor for armed conflict. Nature, 571, 193–197. ↩︎
  8.  صفاء خلف، مشاركة العراق في مؤتمرات الأطراف (COP): العقيدة البيئية المضلِّلة، مبادرة الاصلاح العربي، 09 كانون الاول/ يناير 2025. https://goo.su/Ho8Xq6 ↩︎
  9.  خطة التنمية الوطنية (2018-2022)، وزارة التخطيط، جمهورية العراق، حزيران/ يونيو 2018. https://goo.su/AUD0w ↩︎
  10. رئيس اتحاد جمعيات الفلاحين: مقبلون على هجرة ريفية كبيرة صوب المدن، روداوو عربية، 06 أيلول/ سبتمبر 2022. https://goo.su/ClU8wZ ↩︎
  11. خطة التنمية الوطنية (2024 -2028)، وزارة التخطيط، جمهورية العراق، آيار/ مايو 2024. https://goo.su/KVSiJa3 ↩︎
  12.  Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). (2022). Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability. Contribution of Working Group II to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (H.-O. Pörtner et al., Eds.; Summary for Policymakers). Cambridge University Press. https://goo.su/3ZLa2S ↩︎
  13. سجل العراق أدنى مستوى له في مؤشر الأداء البيئي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. إذ لا تتجاوز مساحة المناطق المحمية 2% ​​من أراضيه، بينما تعاني أنظمته البيئية من تدهور حاد، وتواجه أنواعه مخاطر انقراض عالية نسبياً، مما أدى إلى انخفاض تصنيفه في فئة التنوع البيولوجي والموائل. يُعد العراق منتجاً رئيسياً للنفط، ويعتمد في تمويلاته العامة بشكل شبه كامل على النفط والغاز. ونتيجة لذلك، ارتفعت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الوطنية بنحو 35% خلال العقد الماضي. أدى الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري أيضاً إلى أسوأ مستويات تلوث الهواء الناتج عن الأنشطة البشرية في المنطقة، مما يُنذر بعواقب وخيمة على الصحة العامة وحيوية النظام البيئي.
    Block, S., Emerson, J. W., Esty, D. C., de Sherbinin, A., Wendling, Z. A., et al. (2024). 2024 Environmental Performance Index. New Haven, CT: Yale Center for Environmental Law & Policy. https://goo.su/uMfXg1 ↩︎
  14.  University of Notre Dame. (2023). Global Adaptation Initiative: Iraq country profile. Global Adaptation Initiative. https://goo.su/iYxR ↩︎
  15.  Intergovernmental Panel on Climate Change. (2021, August 9). Climate change widespread, rapid, and intensifying [Press release]. https://goo.su/WKwma. Also: Intergovernmental Panel on Climate Change. (2021). Climate change 2021: The physical science basis. Contribution of Working Group I to the Sixth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (V. Masson-Delmotte et al., Eds.). Cambridge University Press. https://goo.su/8V1zfOA ↩︎
  16.  Harvey, F. (2021, August 25). Climate crisis ‘unequivocally’ caused by human activities, says IPCC report. The Guardian. https://goo.su/D4bvv, ↩︎
  17.  United Nations Environment Programme. (2019). Global environment outlook – GEO-6: Healthy planet, healthy people. UNEP. https://goo.su/hUo8MT ↩︎
  18.  World Resources Institute. (2025). Ranking the world’s most water-stressed countries in 2040. World Resources Institute. https://goo.su/XLByx ↩︎
  19.  خزين العراق المائي بأدنى مستوياته منذ 80 عاماً، روداوو عربية، 25 آيار/ مايو 2025. https://goo.su/Sr9zNzI ↩︎
  20. Reuters. (2025, December 16). Iraq’s dreams of wheat independence dashed by the water crisis.  https://goo.su/HlBJUx ↩︎
  21. World Bank Group. (2023). Global gas flaring tracker report 2023. https://goo.su/JJkQZR0 ↩︎
  22.  طارق زياد الجميلي، حرق الغاز المصاحب في العراق وعود وحقائق، المنتدى العراقي للنخب والكفاءات، 29  تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/9DUq9F ↩︎
  23. Gas Outlook. (2024, June). Iraq gas flaring clean-up essential for climate goals. Gas Outlook. https://goo.su/FwwxnZ ↩︎
  24. World Bank Group. (2025). Global gas flaring tracker report – July 2025. https://goo.su/6cM0R ↩︎
  25. Stallard, E., Pinnell, O., & Kelly, J. (2022, September). Oil giants hiding vast amounts of toxic gas emissions. BBC News. https://goo.su/MAqm ↩︎
  26. صفاء خلف، مشاركة العراق في مؤتمرات الأطراف (COP). ↩︎
  27. العراق ينضم لدول نفطية معارضة لقواعد “الوقود الأخضر”، وكالة شفق نيوز، 14 آب/ أغسطس 2025. https://goo.su/xozzv ↩︎
  28. صفاء خلف، العراق: “لا حياة لنا بدون ماء”، اوريان 21  الفرنسية، 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2021. https://goo.su/nylpy ↩︎
  29. De Waal, D., Chimani, S., Baron, A., & Borgomeo, E. (2023). Economics of water scarcity in the Middle East and North Africa: Institutional solutions [PDF]. United Nations in Iraq. https://goo.su/FpGCAFE ↩︎
  30. A United Nations report recorded 12,575 deaths caused by ambient air pollution and sandstorms in Iraq in 2016, in addition to 742 deaths resulting from household air pollution in the same year. World Health Organization. (2021). World health statistics 2021: Monitoring health for the SDGs, sustainable development goals (WHO HEP ECH CCH 21.01.10). https://goo.su/7YWUF ↩︎
  31. United Nations Iraq. (2013, March). Water in Iraq factsheet. https://goo.su/BHnuInb ↩︎
  32. United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO). (2014). Integrated drought risk management: National framework for Iraq (UNESCO-UNDP Project Report). UNESCO Digital Library. https://goo.su/8TTX6 ↩︎
  33.  النتائج النهائية للتعداد العام للسكان، وزارة التخطيط. 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. https://goo.su/nylpy ↩︎
  34.  صفاء خلف، أزمة المياه في العراق: ديناميك الصراع الإقليمي ومخاطر الاقتتال الداخلي، مركز رواق بغداد، 19 أيلول/ سبتمبر 2021.  https://goo.su/ucVVwDT ↩︎
  35. احتجاج على تقليص الخطة الزراعية الشتوية في المثنى، المربد، 02  تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. https://goo.su/tnXm ↩︎
  36.  Adams, R. McC. (1965). Land behind Baghdad: A history of settlement on the Diyala Plains. University of Chicago Press. Also: Postgate, J. N. (1992). Early Mesopotamia: Society and economy at the dawn of history. Routledge. ↩︎
  37. Jacobsen, T. (1958). Ancient Mesopotamia. University of Chicago Press. ↩︎
  38. Jacobsen, 1958; Postgate, 1992. ↩︎
  39. International Organization for Migration. (2021). Urban Displacement in Iraq: Methodological Overview [Data/Report]. Displacement Tracking Matrix. https://iraqdtm.iom.int (The DTM tracks and monitors internal displacement patterns in Iraq, including urban displacement dynamics and prolonged displacement contexts). Also: The World Bank. (2017). Iraq Systematic Country Diagnostic [Policy report]. World Bank Group. https://goo.su/Wy3xM ↩︎
  40. UN-Habitat. (n.d.). Iraq urban issues: Informal settlements and urban sprawl. United Nations Human Settlements Programme. https://unhabitat.org/iraq-urban-issues ↩︎
  41. Ministry of Planning, Republic of Iraq. (2019). Iraq Vision for Sustainable Development 2030 [Strategic framework]. https://goo.su/c0nJL ↩︎
  42.  باستثناء محافظتي الأنبار وصلاح الدين والمنطقة الخاضعة لحكم الاحزاب الكردية في شمال الأراضي العراقية الوطنية. ↩︎
  43.  نتائج تحديث مسح تثبيت مواقع تجمعات السكن العشوائي في العراق، وزارة التخطيط، 26 تموز/ يوليو2023. https://goo.su/4ERtMOS ↩︎
  44. United Nations Iraq. (2023, March 12). Special Representative of the Secretary-General for Iraq Ms. Jeanine Hennis-Plasschaert Iraq Climate Conference [Speech]. United Nations in Iraq. https://goo.su/gOe1U ↩︎
  45. البيئة: الجفاف يتسبب بنزوح 68 ألف أسرة من الأهوار، جريدة الصباح، 07 تشرين الاول/ اكتوبر 2023. https://goo.su/UZFWCU1 ↩︎
  46. UNHCR. (2023). Climate change and displacement: The myths and the facts. The UN Refugee Agency. https://goo.su/Q0MIm. Also: International Organization for Migration (IOM). (2019). Working definition of environmental migrants. In IOM glossary: Climate migration key terms. https://goo.su/E8vD84V ↩︎
  47.  توصيات الأمم المتحدة لإصلاح نظام الحماية الاجتماعية في العراق، برنامج بالعراقي، قناة الحرة عراق [يوتيوب]، 28 آب/ أغسطس 2022.  https://goo.su/NH3NcM ↩︎
  48. Mahmalat, M., & Ahmad, A. (2023, April 18). In Iraq, mitigating fragility means addressing climate change. World Bank Blogs: Arab Voices. https://goo.su/vsoONu ↩︎
  49. Selim, A. (2020, July 20). The MENA region’s water crisis: Avoiding potential water wars. The Washington Institute for Near East Policy. https://goo.su/6mtcO8 ↩︎
  50. O’Driscoll, D., & Fazil, S. (2022, May 9). Why climate change will exacerbate inequalities and grievances in Iraq. New Security Beat. https://goo.su/VqkXm9 ↩︎
  51. Watts, M. (2004). Resource curse? governmentality, oil and power in the Niger Delta, Nigeria. Geopolitics, 9(1), 50–80. https://doi.org/10.1080/14650040412331307832 ↩︎
  52. Le Billon, P. (2001). The political ecology of war: Natural resources and armed conflicts. Political Geography, 20(5), 561–584. https://goo.su/SfN0za9 ↩︎
  53. UNICEF Iraq. (n.d.). What we do. https://goo.su/euMTNU ↩︎
  54. UNICEF. (2022). Humanitarian action for children: Iraq [Report]. United Nations Children’s Fund. https://goo.su/fHxzt6K ↩︎
  55. مستشار حكومي: إعادة نحو 93 ألف متسرب إلى مقاعد الدراسة، وكالة الغد برس، 15 كانون الأول/ ديسمبر 2025.  https://goo.su/27cUZo ↩︎
  56. 8000 طالب تركوا الدراسة خلال عام واحد في ذي قار، قناة الميادين العراق، 08 حزيران/ يونيو 2025. https://goo.su/Pfx8 ↩︎
  57. United Nations Population Fund & United Nations Children’s Fund. (2019). National survey of adolescents and youth 2019: Adolescents and youth, education and work [PDF]. UNFPA & UNICEF Iraq. https://goo.su/ah8z1 ↩︎
  58.  فائق النعمة، 50 طفلاً عراقياً يُختطفون كل شهر وميليشيات شيعية “مُرخصة” تجند أطفالاً مع آبائهم للقتال في العراق وسورية، موقع درج، 05 كانون الأول/ ديسمبر 2017. https://goo.su/CZJ0Po3 ↩︎
  59. U.S. Department of State. (2017). 2016 country reports on human rights practices: Iraq. https://goo.su/Tv6fbPb ↩︎
  60. Atlantic Council. (2017). Iraqi Shia fighters in Syria. https://goo.su/lTFLLNU ↩︎
  61. جواد مختار، شباب من العراق يقاتلون في سوريا واليمن بـ”هويات ايرانية ووثائق موت عراقية”، موقع جدلية، 06 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. https://goo.su/5kdLEE ↩︎
  62. Schwartzstein, P. (2017, November 14). Climate change and water woes drove ISIS recruiting in Iraq. National Geographic. https://goo.su/4HyMM ↩︎
  63. Shafaq News. (2025). The desperate and the damned: Why thousands of Iraqis are fighting in Ukraine. https://goo.su/sCCH ↩︎
  64. International Organization for Migration (IOM) & Social Inquiry. (2021, October 21). Migration into a fragile setting: Responding to climate-induced informal urbanization and inequality in Basra, Iraq. IOM Iraq. https://goo.su/bLNbO1t ↩︎
  65. Internal Displacement Monitoring Centre (IDMC), Social Inquiry (SI), & Norwegian Refugee Council (NRC). (2020, February). When canals run dry: Displacement triggered by water stress in the south of Iraq (Thematic series: No matter of choice: Displacement in a changing climate). IDMC. https://goo.su/sWdfT ↩︎
  66. International Organization for Migration (IOM). (2022, March). Emergency Tracking: Climate displacement in the south of Iraq (IOM DTM). https://goo.su/Ayo3cGB ↩︎
  67. International Organization for Migration (IOM). (2022). Water quantity and water quality in central and south Iraq: Final report. IOM Iraq. https://goo.su/BCl1Om ↩︎
  68. United Nations News. (2009, October). Iraq: Water shortages are forcing residents of northern Iraq to flee. UN News. https://goo.su/qgz3I ↩︎
  69. United Nations News. (2009, October). Iraq: Water shortages are forcing residents of northern Iraq to flee. UN News. https://goo.su/qgz3I ↩︎
  70. Rudaw Arabia. (2025, December 3). Climate change displaces more than 17,000 Iraqi families over five years. https://goo.su/Z5UI2 ↩︎
  71. Isaczai, G. M. (2026, January 15). The Mesopotamian Marshes: A World Heritage on the Brink. United Nations in Iraq. https://goo.su/5stqb ↩︎
  72. International Organization for Migration (IOM). (2025, July). Intersecting drivers of Iraqi emigration: Security, economy and environmental stressors. IOM Iraq. https://goo.su/Pl9ADQl ↩︎
  73. Rojnews.news. (2025, December 28). Nearly 800,000 Iraqis left the country over 10 years, with 31,420 departing in 2025 alone. https://goo.su/FAaT4 ↩︎
  74.  العراق: المليشيات تهيمن على المحاصيل الزراعية في الموصل، صحيفة العربي الجديد، 24 نيسان/ ابريل 2021. https://goo.su/vWUnA ↩︎
  75. قائممقام كربلاء: 40% من أراضي المحافظة الزراعية تم تجريفها، شبكة الساعة، 21 حزيران/ يونيو 2023. https://goo.su/UBDHF ↩︎
  76. United Nations Assistance Mission for Iraq (UNAMI). (2024). Localised interlinkages between climate, peace, and security in Iraq: UNAMI climate, peace and security analysis report (August 2023–May 2024) [Policy report]. United Nations. https://goo.su/U71Drl ↩︎
  77. Climate Vulnerability Index of Iraq (2025). ↩︎
  78. International Trade Centre. (2021, July). Climate change risks and opportunities in Iraqi agrifood value chains (SAAVI Project). International Trade Centre. https://goo.su/AZlSI ↩︎
  79. شمول جميع الأسر في الأهوار بالحماية الاجتماعية، وكالة الانباء العراقية، 18 شباط/ فبراير 2023. https://goo.su/5Cqn4 ↩︎
  80. World Food Programme. (2022, April 19). Germany and WFP support families in Iraq through resilience, climate change and social protection projects. World Food Programme. https://goo.su/JFvIZFC ↩︎
  81. INA Iraq. (2023, June 8). Canadian ambassador launching a project to adapt the situation of southern Iraq to climate change. https://goo.su/QZUFfA ↩︎
  82. United Nations Assistance Mission for Iraq (UNAMI). (2024). Localised interlinkages between climate, peace, and security in Iraq: UNAMI climate, peace and security analysis report (August 2023–May 2024) [Policy report]. United Nations. https://goo.su/U71Drl ↩︎
  83. Al-Hurra TV. (2018, July). Internal water war in Iraq. ↩︎
  84. قائممقام في ذي قار يقطع الماء عن مركز المحافظة، وكالة شفق نيوز، 21 تموز/ يوليو 2022. https://goo.su/14tZqZi ↩︎
  85. “أبو واوية” تهدد بقطع طريق نجف – بصرة: جفت الأنهار وماتت المواشي، شبكة 964، 09 حزيران/ يونيو 2023. https://goo.su/5dGoc2 ↩︎
  86. حرب المياه تتصاعد بين عشائر ذي قار ومدفع الهاون أبرز سلاح في المواجهة، جريدة المدى، 08 كانون الثاني/ يناير 2018. 
    https://goo.su/UXnq ↩︎
  87.  متظاهرون يضرمون النار في مبنى حكومي جنوبي العراق، الجزيرة، 30 حزيران/ يونيو 2019. https://goo.su/lfvW6 ↩︎
  88.  قتلى وجرحى ومعارك شرسة.. تفاصيل وتطورات نزاع قضاء الإصلاح في ذي قار، الترا صوت العراق، 13 نيسان/ أبريل 2023. https://goo.su/fseuy ↩︎
  89. حرب المياه تتصاعد بين عشائر ذي قار، جريدة المدى. ↩︎
  90. Berghof Foundation. (2023). Climate change effects on conflict dynamics in Iraq: Study of Makhmur, Tal Afar, and Al-Rifai districts. Berghof Foundation. https://goo.su/kzGpewp ↩︎
  91. Al-Mirbad. (2025, November 23). Due to water scarcity, Maysan allocates only 26,000 dunums for winter agriculture reliant on groundwater. Al-Mirbad. https://goo.su/3dzrEci ↩︎
  92. بسبب شح المياه، ميسان تخصص 26 ألف دونم فقط للزراعة الشتوية المعتمدة على المياه الجوفية، المربد، 23 تشرين الثاني/ أكتوبر 2025. https://goo.su/rRUtM ↩︎
  93.  صفاء خلف، النفط يمحو هور الحويزة.. حين تدمر الشركات موقعاً مدرجاً على لائحة التراث العالمي، منظمة CCFD-Terre Solidaire الفرنسية، كانون الثاني/ يناير 2026. https://goo.su/hBXcg0 ↩︎
  94. Khalaf, S., Salim, F., Khanjar, A., & Almatwari, A. (2025). Al-Hawizeh women struggling amid marsh eradication: A case study of Al-Bu Khassaf women in Maysan, southern Iraq (LSE Middle East Centre Paper Series No. 103). London School of Economics Middle East Centre. https://goo.su/94srxD ↩︎
  95. شؤون العشائر بميسان: لدينا 186 نزاعا عشائريا، المربد، 05 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/S4BXe ↩︎
  96. مسؤول محلي: مشكلات اقتصادية و ديموغرافية وراء تجدد النزاعات العشائرية في ميسان، المربد، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/ptSJ ↩︎
  97.  “انفلات العشائر”.. 6 آلاف نازح في ميسان والإجراءات الرسمية “غير مجدية”، وكالة شفق نيوز، 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025. https://goo.su/tywQA ↩︎
  98. وداعاً للاهوار.. الهجرة الجماعية تبدأ في ميسان، وكالة شفق نيوز، المربد، 25 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/Rod4T6 ↩︎
  99. Understanding the needs and vulnerabilities of climate-induced migrants in Iraq, International Organization for Migration (IOM), June 2025. https://goo.su/exXlWnB ↩︎
  100. Swissinfo.ch. (2022, February 23). Drugs, tribal dynamics and politics rock Maysan province in southern Iraq. afp. https://goo.su/qa07n5p ↩︎
  101. حظر تجوّل في ميسان جنوبي العراق وسط مخاوف من تصعيد بين الفصائل، صحيفة العربي الجديد، 08 كانون الثاني/ يناير 2026.  https://goo.su/jzxZb ↩︎
  102. انتشار “مدرعات” في قضاء قلعة صالح جنوب ميسان، المربد، 11 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/qdcHwc ↩︎
  103. ميسان.. الكشف عن سبب انتشار قوة عسكرية مدرعة، وكالة شفق نيوز، 12 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/uP84FLw ↩︎
  104. اندلاع اشتباكات بين عشائر الديوانية والسماوة في العراق بسبب ازمة المياه، قناة الحرة عراق [يوتيوب]، 19 نيسان/ ابريل 2014. https://goo.su/0XpX3YB ↩︎
  105. اندلاع اشتباكات بين عشائر الديوانية والسماوة في العراق بسبب ازمة المياه، قناة الحرة عراق. ↩︎
  106.  صدامات بين الأمن العراقي ومحتجين غاضبين يطالبون بتوفير مياه الشرب، صحيفة العربي الجديد، 15 آذار/ مارس 2023.  https://goo.su/BKWr1 ↩︎
  107. Safaa Khalaf, & al-Jaffal, O. (2021). Basra is burning: The protests in Basra Governorate, 2018–20 (Middle East Centre Paper Series No. 54). London School of Economics Middle East Centre. https://goo.su/blgIhxs ↩︎
  108. Safaa Khalaf, & al-Jaffal, O. (2021). Basra governorate: A locality in crisis – Local government crisis and conflict with the federal government (Middle East Centre Paper Series No. 49). London School of Economics Middle East Centre. https://goo.su/qtUMg8q ↩︎
  109. صفاء خلف، انتفاضة البصرة تهزّ أركان العراق، اوريان 21 الفرنسية، 10 أيلول/ سبتمبر 2018. https://goo.su/0cD2Dg8 ↩︎
  110. صفاء خلف، التعبئة البيئية في العراق: المنظمات غير الحكومية والفاعلين المحليين في ظل تحديات التغيّر المناخي، مبادرة الإصلاح العربي، آيار/ مايو 2023. https://goo.su/SeIcf ↩︎
  111. International Trade Centre (ITC). (2022). Identifying agricultural and agri-food products with potential for production and commercialization in Iraq – SAAVI. International Trade Centre. https://goo.su/GXfDOz1 ↩︎
  112. قانون الحفاظ على الثروة الهيدروكربونية، جريدة الوقائع العراقية، السنة الثامنة والعشرون، العدد 3068، 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1985. https://goo.su/CYYdUQ ↩︎
  113. في أيلول/ سبتمبر2021، دعا مكتب البصرة لحقوق الإنسان كلاً من الحكومة المحلية والحكومة الاتحادية إلى التدخل من أجل صرف أموال “التعويضات” المخصصة للعشائر المتضررة التي تقع أراضيها ضمن ما يسمى “مناطق المحرمات النفطية”، بعدما امتنعت وزارة النفط عن صرف المدفوعات. مكتب حقوق الإنسان في البصرة، وثيقة مخاطبة تدعو إلى الإفراج عن أموال التعويضات للعشائر المتضررة من مناطق المحرمات النفطية. https://goo.su/V3wWHi3 ↩︎
  114. مقابلة أجراها الباحث في وقت سابق مع مدير الزراعة في البصرة. ↩︎
  115. Manisera, S., & Sala, D. (2023, June 3). Iraq’s oil boom blamed for worsening water crisis in the drought-hit south. The Guardian. https://goo.su/bYaHy ↩︎
  116. منسق من شمال البصرة: وزير الموارد أكد عدم وجود حلول لمشكلة المد الملحي، المربد، 24 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/Ozyjo5 ↩︎
  117. تظاهرات شمال البصرة: تجاهل المطالب سيقود إلى توسيع رقعتها، المربد، 24 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/Ozyjo5 ↩︎
  118. البصرة.. لجنة وزارية تباشر التحقيق بالاعتداء على متظاهري “الشرش”، المربد، 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025.  https://goo.su/YJJcTa  ↩︎
  119. في حزيران/ يونيو 2018، انتقدت دائرة النزاهة في البصرة رسمياً قيام شركة نفط الجنوب بإزالة الأراضي الزراعية من أجل توسعة العمليات النفطية، مؤكدة أن مثل هذه الإجراءات تضر بالبيئة المحلية وأن البصرة بحاجة ماسة إلى زيادة زراعة الأشجار للتخفيف من ارتفاع درجات الحرارة والتدهور البيئي. نزاهة البصرة ترد على شركة نفط الجنوب بشأن تجريف الاراضي الزراعية، راديو نوا، 25 حزيران/ يونيو 2018. https://goo.su/lcNa ↩︎
  120.  حكومة البصرة: نحتاج لزراعة 40 مليون شجرة لتحسين الهواء والتخفيف من التلوث، المربد، 09 حزيران/ يونيو 2023. https://goo.su/rN1uLbg ↩︎
  121. Republic of Iraq. (2024). Second National Communication and First Biennial Update Report to the United Nations Framework Convention on Climate Change. UNFCCC. https://goo.su/ky8sdD ↩︎
  122. World Bank. Iraq Economic Monitor: Spring/Summer 2023 (International Bank for Reconstruction and Development / The World Bank, 2023). https://goo.su/LisEl ↩︎
  123. Central Organization for Statistics and Information Technology (COSIT). (2024). Work Plan 2024–2028. https://goo.su/KVSiJa3 ↩︎
  124.  Barhoum, L., & Nalbandian, E. (2022, March 31). Unfarmed now, uninhabited when? Agriculture and climate change in Iraq. Oxfam International; World Vision Iraq; Save the Children Iraq. https://goo.su/iIHAzY ↩︎
  125. شحّ المياه يوقف الزراعة في العراق، صحيفة القدس العربي، 04 آب/ أغسطس 2025. https://goo.su/2O6zfA ↩︎
  126. حملة توعية وتحذيرية بإسناد أمني لمنع زراعة الشلب في ميسان، المربد، 16 حزيران/ يونيو 2023. https://goo.su/GWTT18G ↩︎
  127. المشخاب بلا رز عنبر هذا العام.. الحكومة منعت الزراعة الصيفية وغرامات للمخالفين، شبكة 964، 11 حزيران/ يونيو 2025.  https://goo.su/ppxNhl  ↩︎
  128. مزارعون غاضبون يقطعون مدخل الناصرية الشمالي احتجاجاً على شح المياه، وكالة شفق نيوز، 21 شباط/ فبراير 2022.  https://goo.su/pzm4FnX ↩︎
  129. قطع طريقٍ إستراتيجي وجسرين في تظاهرات بمحافظتين عراقيتين، وكالة شفق نيوز، 15 آذار/ مارس 2021.  https://goo.su/CQNMngf ↩︎
  130. العراق.. متظاهرون يقتحمون مبنى دائرة المياه في كربلاء، وكالة الاناضول، 12 تموز/ يوليو2021. https://goo.su/TSYUvi ↩︎
  131. السوداني: لن يتم دعم أي فلاح لا يستخدم تقنيات الري الحديثة الموسم المقبل، رووداو عربية، 25 كانون الثاني/ يناير 2023.  https://goo.su/DQY66eb  ↩︎
  132. لماذا يتأخر العراق في اعتماد الري الحديث؟ 3 فئات من المزارعين تتحكم بالمعادلة، شبكة 964، 06 آيار/ مايو 2023. https://goo.su/nj18z2 ↩︎
  133. مقابلة مع مدير إدارة الموارد المائية في واسط، قناة العراق 24 [يوتيوب]، 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/SuDvk ↩︎
  134. 25 إجازة استثمارية متلكئة في قطاع الزراعة تشغل 700 ألف دونم بالمثنى، المربد، 31 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/kl7L84 ↩︎
  135. Ministry of Planning (Iraq). (2025, February 26). The Ministry of Planning announces results of the household social and economic survey in Iraq. https://goo.su/6UwnsTu ↩︎
  136. وقفة لعدد من مزارعي المثنى ضد رفع دعم الحكومة للقطاع الزراعي، المربد [يوتيوب]، 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025. https://goo.su/nIO9kfQ ↩︎
  137. Food and Agriculture Organization of the United Nations. (2021). Agricultural value chain study in Iraq: Dates, grapes, tomatoes and wheat. FAO. https://goo.su/jo0U8hT ↩︎
  138. المثنى تكشف عن قرب وصول كميات اضافية من المرشات الزراعية، المربد [يوتيوب]، 08 كانون الثاني/ يناير 2026. https://goo.su/rgAc  ↩︎
  139. مزارعون عراقيون يختارون الانتحار في مواجهة جفاف دمر حياتهم، صحيفة العرب، 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022. https://goo.su/3q4oFT. الهاشمي يتحدث عن قصة رجل مزارع انتحر في البصرة بسبب قرض، تلفزيون عراق 24، 27 كانون الثاني/ يناير 2023. https://goo.su/uzuHzz8. انتحار شاب ثلاثيني بـ”رصاصة” مسدس في مزارع الزبير، المربد، 19 نيسان/ ابريل 2025. https://goo.su/7o1kzuw. انتحار مزارع طماطم بصري بسبب الاستيراد الغير منظم، العراق الحر نيوز، 24 شباط/ فبراير 2021. https://goo.su/frP4h  ↩︎
  140. GOAL and Big Heart, Agricultural Market Assessment: egg and sheep value chains, March 2016. ↩︎
  141. وزير الزراعة: فساد المصرف الزراعي كبير بسبب القروض الوهمية، قناة دجلة، 2021 https://goo.su/ZliVf. المصرف الزراعي العراقي..فساد بالمليارات وإحكام جديدة بحق مدراء فروعه السابقين، وكالة موازين، 02 تموز/ يوليو 2018. https://goo.su/iUYNUIz. ↩︎
  142. اعتقال مديرة مصرف اختلست نحو ربع تريليون دينار، الترا صوت العراق، 13 تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/uU84P ↩︎
  143. مدير محكوم يعود لسرقة الدولة.. فساد المصرف الزراعي يهز الأنبار، وكالة بغداد اليوم، 03 أيلول/ سبتمبر 2025. https://goo.su/bh7Et ↩︎
  144. الجفاف يجبر عشرات العوائل على النزوح من شرق العراق، صحيفة العربي الجديد، 14 آب/ أغسطس 2019. https://goo.su/XVls8tj ↩︎
  145. العراق: المليشيات تهيمن على المحاصيل الزراعية في الموصل، صحيفة العربي الجديد، 24 نيسان/ ابريل 2021. https://goo.su/St1D3K1  ↩︎
  146. الأسباب الإجرامية للحرائق التي تجتاح محاصيل العراق، امواج ميديا، 16 آب/ أغسطس 2021. https://goo.su/w0bc0 ↩︎
  147. “اشتباكات السيدية” تفجر ملف هيمنة الميليشيات على الأراضي الزراعية جنوبي بغداد، موقع إرم نيوز، 31 تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/sYnyDO8 ↩︎
  148. أرقام مفزعة من حقول النجف نكبة في موطن العنبر.. حصيلة موسم 2022 “لا شيء”، شبكة 964، 05 كانون الثاني/ يناير 2023.  https://goo.su/HsE267H ↩︎
  149. انتاج النجف من رز العنبر في 2025 بلغ “صفراً”، رووداو عربية، 14 كانون الثاني/ يناير 2026. https://goo.su/ixrkZ ↩︎
  150. العطش يغير ملامح وخارطة القرى في ذي قار، دراو ميديا، 05 كانون الثاني/ يناير 2025. https://goo.su/BeI9klR ↩︎
  151. في آل بدير.. الجفاف يفرغ قرى من سكانها ويهدد مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية بالتصحر، وكالة بغداد اليوم، 08 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023. https://goo.su/Bt3nSI  ↩︎
  152. Reuters. (2025, December 16). Iraq’s dreams of wheat independence dashed by the water crisis. https://goo.su/9JRSep ↩︎
  153. الجفاف يوحّد المزارعين في العراق.. مطالب بإعادة توزيع المياه للزراعة، CNN الاقتصادية، 04 تشرين الثاني/ أكتوبر 2025. https://goo.su/uUlUKgj ↩︎
  154. الديوانية.. مزارعون من 4 محافظات يحتجون على تقليص المساحات المزروعة، رووداو عربية، 04 تشرين الثاني/ اكتوبر 2025. https://goo.su/dRc2S ↩︎
  155. Anadolu Agency. (2026, January 9). European farmers protest as EU moves to approve Mercosur trade deal. https://goo.su/jBk61 ↩︎
  156. السوداني: نسبة العجز المالي أثرت على مجمل قطاعات الدولة، وكالة شفق نيوز، 25 كانون الأول/ ديسمبر 2025.  https://goo.su/flA5I ↩︎
  157. صندوق النقد عن العراق: عجز مالي يلوح بالأفق مع تقلص الإيرادات، قناة الشرق الاقتصادية، 09 تموز/ يوليو 2025. https://goo.su/uZyPA ↩︎
  158. البنك المركزي العراقي، بيان رسمي حول الديون الداخلية والخارجية، 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. https://goo.su/fTaWSd ↩︎
  159. Norwegian Refugee Council. (2024). Cracked Earth, shrinking harvest: Drought impact on displaced and returnee Iraqis [Report]. https://goo.su/vSLZ ↩︎
  160. World Bank Group. (2022). Iraq country climate and development report (CCDR). https://goo.su/0UvWJ ↩︎
  161. صفاء خلف، إعمار المناطق “المُدمرة” في العراق: مزرعة استثمار الخراب،  السفير العربي، 26 آذار/ مارس 2019. https://goo.su/nfPQ  ↩︎
  162. Green Climate Fund. (2025, March 20). Iraq unveils plans for ambitious climate project pipeline. https://goo.su/qsVJAK ↩︎
  163. Republic of Iraq. (2023, June 26). Federal general budget law for the fiscal years 2023–2025 [Law No. 13 of 2023]. Ministry of Justice – Official Gazette. https://goo.su/XZZoxB6 ↩︎
  164. Rudaw Arabic. (2025, December 6). Iraq’s Ministry of Environment implements projects worth $18.7 million to assess water and soil pollutants. https://goo.su/zEZooa ↩︎
  165. Al-Mirbad. (2023, October 11). Al-Sudani announces from Moscow the launch of carbon reduction projects. https://goo.su/YOjcMD ↩︎
  166. United Nations Development Programme. (2024, May 23). Iraq announces inception of five-year climate investment plan (CIP) [Press release]. UNDP Iraq. https://goo.su/UFyFh ↩︎

أضف تعليق